الأخبار | 
الرئيسية خطابات ومراسلات
عدد القراء 8409

بسم الله الرحمن الرحيم


حضرة صاحب السمو الملكي وولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء المحترم- وفقه الله-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد
فانطلاقًا من قوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، الدين النصيحة» قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»؛ انطلاقًا من هذا الحديث الشريف أتقدم إلى سموكم بهذه النصيحة حول منح المرأة البطاقة الشخصية. موضحًا أضرارها ومفاسدها، ومبينًا السلبيات التي ترد عليها فتضعف دلالتها الثبوتية على هوية حاملتها، ومبينًا في نفس الأمر البديل لها وهي بطاقة البصمة، وأوضحت مزايا هذا البديل وكيفية استعماله.
صاحب السمو... منذ سنوات والصحف المحلية تشير بين حين وآخر إلى موضوع بطاقة المرأة. وفي هذه الأيام طفحت كثير من الصحف بمقالات ومقابلات عن هذا الموضوع، والملاحظ أنها تُطرَح من طرف واحد، طرف المؤيد بل المتحمس لها. وهذا له خطورته من جهتين: أما إحداهما فهي من التلبيس على الناس أن هذا هو الصواب الذي لا مرية فيه ولا مجال للنقاش فيه، والأخرى كونه يلقي في روع القاريء أن هذا هو رأي جميع الناس، وأنه لا يمكن لأحدٍ أن يواجهه أو يخالفه، ولخطورة الأمر واستباقًا لما يحدث من أمور يصعب استدراكها أو علاجها؛ وجهت هذه النصيحة لسموكم راجيًا أن تلقى العناية والاهتمام.
صاحب السمو: فيما يلي بيانٌ لبعض ما يترتب على منح المرأة البطاقة الشخصية من مفاسد:
أولاً: التصوير، والكلام فيه معلوم ومشهور.
ثانيًا: إضعاف قوامة الرجال على النساء، والعلاقة بينهما واضحة. وفي إحدى المقابلات مع عدد من النساء المؤيدات للبطاقة قالت معدة التقرير قبل أن تورد كلامهن بالتفصيل: (إن أقوال أكثرهن مبنية على كون البطاقة تخلص من تسلط الأزواج) [جريدة المدينة، 10/8/1420هـ]. بل بلغ من ظهور العلاقة بين بطاقة المرأة وقوامة الرجل إلى أن إذاعة لندن (BBC بي بي سي) قالت في ضوء تعليقها على خبر تصريح أحد المسئولين بشأن بطاقة المرأة ما نصه: (ومن المعروف أن النساء السعوديات يُسجَّلْن حاليًا في بطاقات لأسرهن أو أزواجهن باعتبارهن تحت الولاية الشرعية للأب أو الزوج). وفي إضعاف قوامة الرجل من الشرور والمفاسد وتوسع فرص الفساد ما لا يخفي، ومعلوم ما عليه الحال الآن من تمرد بعض النساء على أزواجهن وما ترتب على ذلك من مفاسد، منها كثرة حالات الطلاق، وقد ذكرت صحيفة الشرق الأوسط في تاريخ 21/1/1417هـ أن معدل حالات الطلاق في الرياض هو حالة كل ثلاث ساعات، فكيف يكون الحال عند حصول البطاقة؟!!
ثالثًا: كشف المرأة عن وجهها عند إرادة التحقق من شخصيتها، إذ لا يتسنى في كل حال أن يتم ذلك من قِبل نساء، وفي هذا من الفتنة ما لا يخفى، خاصة وأن الذي يتولى التحقق من الهويات كثير منهم من الشباب، فإذا كانت المرأة حسناء وفي سن الشباب اُستضعِف محرمها لصغر سنه أو غير ذلك، وهذا باب للشيطان ليغري بالتعرض لها، و"الدفع أوهن من الرفع والوقاية خير من العلاج".
رابعًا: يتأكد المحذور المتقدم في الطرق الطويلة، فهل يتولى الأمر رجال؟ أم تُوظَّف نساء شرطيات؟ وإذا وُظِّفن فهل سيعملن جنبًا إلى جنب الرجال في تلك المواقع النائية؟ أم سيكون محارمهن معهن؟ إن الخيار الأخير يظهر- على ضوء الظروف الراهنة- بعيدًا جدًا، وعلى أي حال؛ أفلا نأخذ عِبرة مما هو حاصل في بعض القطاعات التي يعمل فيها نساء بجنب الرجال وكيف يحصل فيها أمور يندى لها الجبين؟!
خامسًا: كثير من الفتيات لن يُصوَّرن إلا وقد ظهرن بأجمل ما يقدرن عليه، وغالبًا ما يكون هذا مجال تنافس بينهن ومدعاة لتبادلهن صورهن، على سبيل الذكرى أو غير ذلك، مما قد يحصل معه تسرب صورهن ووصولها إلى الرجال.
سادسًا: أن فتح هذا الباب- ونعوذ بالله أن يحصل ذلك- سيُلزَم الجميع به- إلا أن يشاء الله-، فيشمل الصالحات وبنات الصالحين الذين حرصوا واجتهدوا في تنشئة أولادهم على الحشمة والحياء، ولو قيل في بداية الأمر أنه أمر اختياري لمن ترغب فما إن يُبدَأ به حتى يُلزَم به الجميع- إلا أن يشاء الله- بطريق مباشر أو غير مباشر، كأن تُربَط الدراسة وإنجاز المعاملات وتقديم الخدمات بوجود البطاقة. وما قد يوضع من ضوابط مثل أن يقال من حق المرأة أن ترفض الاستجابة لمن يتحقق من شخصيتها إذا كن رجلاً، أو يقال يجب أن تقتصر الصورة على الوجه فقط دون الشعر والكتفين وسائر أجزاء البدن، أو غيره من الضوابط فإنها- إن وُضعت- لا تلبث أن تسقط، ويبقى أصل المسألة مجردًا من الضوابط.
سابعًا: من حجج المطالبين باستقلال المرأة بالبطاقة: الحاجة إلى إثبات شخصيتها عند التعاملات المالية لدى البنوك، عند الصرف وبطاقة الصرف الإلكتروني ذات الرقم السري الذي يختص لمعرفته صاحب البطاقة، كما فيه من التحقق من شخصية صاحب الحساب ومن ثَمّ إتمام عملياته المطلوبة. ويمكن تطوير هذه الخدمة إذا احتاج الأمر ذلك لتعميم خدمة شبكة السعودية التابعة لمؤسسة النقد لتشمل فروع البنك حيث هي الآن مقتصرة على مكائن الصرف والمحلات التجارية، فحينئذٍ تسحب المرأة المبلغ الذي تريده دون تقييده بمبلغ معين. واستطرادًا نقول أن التزوير وانتحال الشخصية يحصل ويتكرر في صفوف الرجال بالرغم من وجود البطاقات الخاصة لهم.
ثامنًا: ومن الحجج أيضًا: الحاجة إلى البطاقة لحفظ الحدود والمنافذ ومعرفة من يدخل ومن يخرج، ومعروف لدى الجميع أن جوازات السفر عامة للرجال والنساء.
هذا ولا نزعم أن الحاجة منحصرة في الصورتين المتقدمتين، لكن نقول: أنه عند الموازنة بين المصالح والمفاسد يظهر رجحان المفاسد بشكل جلي، فالمفاسد الناجمة من البطاقة أكثر في عددها وأخطر في نوعها من المفاسد الحاصلة من عدمها.
تاسعًا: مما يلفت النظر ويقوي التخوفات أن المتحمسين لهذا المطلب والمتصدين للكتابة عنه في الصحف أكثرهم أناسٌ مشبوهون قد ارتبطت أسماؤهم بالمطالبة بأمور منكرة؛ كالدعوة إلى أن يتولى النساء تدريس البنين، وكالمطالبة بإنشاء نوادي رياضية للبنات، والدعوة إلى مشاركة المرأة للرجل في عمله، والدعوة إلى قيادة النساء للسيارات، والاعتراض على كون القوامة للرجل. ومع هذه المفاسد التي تترتب على حمل المرأة البطاقة الشخصية التي تعتمد على الصورة في الإثبات فإن هناك أمورًا سلبية كثيرة تُضعِف من دلالة هذه البطاقة على شخصية حاملها، منها:
أولاً: سهولة التغيير وإحلال صورةٍ مكان أخرى أو جواز مكان آخر أو وثيقة مكان أخرى.
ثانيًا: تقادم الصورة فلا تصبح دقيقة تبني ملامح الوجه إذا كبر الإنسان وتغيرت ملامح وجهه.
ثالثًا: تغير السمات الشخصية مثل إعفاء اللحية و حلقها ونحوه.
رابعًا: تغير الصفات الخَلقية عبر الجراحات العارضة أو الجراحة التجميلية.
خامسًا: ضرورة تجديد البطاقة الشخصية بشكل دوري لتحديث الصورة والمعلومات.
سادسًا: الضياع والفقدان للبطاقات والجوازات والأوراق الثبوتية.
سابعًا: نسيان الأوراق الثبوتية.
ثامنًا: تلف الوثائق.
وبعد أن ثبت فشل وسائل الإثبات الدارجة وتراجع فعاليتها وخصوصًا أمام التطور السريع والمتلاحق في صناعة الجريمة، كان لابد من بروز وسيلة أخرى تضيق الفرصة أمام العابثين وتحِدُّ من انتشار الجريمة والتسارع الهائل في انتهاك الحدود وتجاوز العابثين الأنظمة، فكانت بطاقة البصمة هي البديل للبطاقة التقليدية التي تعتمد على الدلالة الثبوتية على هوية الشخص بواسطة الصورة الفوتوغرافية التي يحملها صاحب البطاقة.
ولبطاقة البصمة مميزات تنفرد بها عن البطاقة التقليدية التي تعتمد على الصورة الفوتوغرافية في إثبات الهوية، منها:
أولاً: أن تقليد البصمة أو تزويرها أمر مستحيل؛ لأن الله سبحانه وتعالى خلق البشر مختلفي البصمات، فكل فرد من أفراد البشر بصمته تختص به لا يشبهها شيء من بصمات الآخرين.
ثانيًا: دقة المعلومات وقوة الدلالة الثبوتية واستحالة التزوير والتقليد كما سبق.
ثالثًا: تمتاز بالدقة في التنظيم وتخزين المعلومات المهمة عن الأفراد، وهذه ميزة لا تتوفر في البيانات الشخصية التي تعتمد على الأوراق والصور.
رابعًا: الحد من التزوير، وإذا كان التزوير أحد أسباب فشل وسائل التعرف على الشخصية بالطرق التقليدية فإن التزوير لا يمكن البتة مع البصمة كما تقدم.
خامسًا: الحد من الفساد الأخلاقي الذي يتخذه عدم وجود البطاقة النسائية التي تثبت هوية المرأة في مجتمعنا السعودي سبيلاً له. حيث يمكن بهذه الطريقة التثبت من هوية المرأة في أي وقت ومكان عند الحاجة فيتم ضبط ذلك في المطارات ومراكز التفتيش والفنادق وغيرها.
سادسًا: ضبط دخول وخروج الحجاج والمعتمرين إلى المملكة العربية السعودية، حيث يأتي الكثير منهم للحج أو العمرة ثم إذا دخل أو استقر في مكة أتلف جوازه ووثائقه وأقام بصورة غير نظامية، وإذا قُبِض عليه وأراد الرجوع إلى بلده سلَّم نفسه للسلطات فأودع في السجن حتى يتم ترحيله، ويعود بعد فترة بجواز آخر.
سابعًا: التقدم العلمي، فالتقنية الحالية بشقيها الفني والتكنولوجي قدمت للعالم مخترعات علمية فعالة في مجالات كثيرة، وأسهمت في تطوير وسائل الكشف عن الهوية باستخدام البصمات، واعتمادها على نظريات علمية حديثة في تحديد هويات الأفراد.

كيفية استعمال بطاقة البصمة:

إن استعمال بطاقة البصمة سهل ميسر لا يستغرق أكثر من عدة ثوانٍ، وذلك بأن تُخزَّن بصمة إبهام الشخص الذي يحمل البطاقة في بطاقته. فإذا أُريدَ كشف هويته فما على المسئول عن ذلك إلا أن يأمره بوضع بصمة إبهامه على جهاز مخصَّص لذلك، ثم يقارن بين البصمة المخزنة في البطاقة والبصمة التي توضع على الجهاز، فإذا تطابقتا ثبتت هوية حامل البطاقة، وهذه الطريقة مستعملة في كثير من دول العالم عند مداخل المطارات ومنافذ الحدود وبوابات مراكز السجون وغيرها.
صاحب السمو... لقد أوضحت في هذه النصيحة الأضرار والمفاسد الدينية والخُلقية والاجتماعية، وذكرتُ الأمور السلبية التي تقدح في دلائل البطاقة التي تعتمد على الصورة وتضعفها، كما ذكرت بديلاً للبطاقة التقليدية (ألا وهو بطاقة البصمة) يتم به المقصود من غير أن تتحقق فيه الأضرار والمفاسد التي تعرض للبطاقة التقليدية، كما لا تتطرق إلى الأمور السلبية التي تُضعِف الدلالة على الهوية. لهذا آمل من سموكم الكريم أن تهتموا بها شخصيًا ولا تكلونا لغيركم، إلا إذا رأى سموكم إحالته لأصحاب الفضيلة رئيس وأعضاء مجلس هيئة كبار العلماء لتقييمها وإعطائكم نتيجتها لأهميتها حفظكم الله.

مُقدِّمُه
أخوكم/ حمود بن عقلاء الشعيبي
الأستاذ (سابقًا) في جامعة الإمام محمد بن سعود
القصيم - بريدة
24/10/1420هـ


مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا