الأخبار | 
الرئيسية كتب البراهين المتظاهرة
عدد القراء 3788

الــــروح


إذا تحدثنا عن الروح فإننا نقصد الحديث عن هذا الجسم اللطيف الذي يعمر بدن الإنسان زمن الحياة، ويكسبه الحس والحركة والحياة، وينفصل عنه ويفارقه عند الوفاة.
وهذا الموضوع ـ أعني البحث في الروح ـ يتضمن بيان حقيقة الروح ووجودها، والخلاف في حدوثها وأزليتها، وهل الروح غير النفس أو هما لفظان مترادفان ومسماهما واحد، وهل تفنى الروح بعد مفارقتها للبدن وانفصالها عنه أو هي باقية خالدة.

حقيقة الروح:


لقد أكثر الناس من الكلام ببيان حقيقة الروح وتباينت آراؤهم فيها واختلفت مذاهبهم واضطربت أقوالهم لأن أكثر تلك الأقوال لم يعتمد على حجج واضحة أو براهين صحيحة وإنما قام على الظن والتخمين، والظن لا ينفع في الأمور الغائبة ولا يصلح حجة يعتمد عليها.
فقيل: الروح عبارة عن عرض من أعراض البدن به تكون الحياة، وبزواله تكون الوفاة.
وقيل: الروح عبارة عن اعتدال الطبائع الأربع: الحرارة ، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة.
وقيل: الروح الحرارة الغريزية الموجودة في البدن وقت الحياة.
وقيل: هي الدم الصافي الخالي من الكدرة والعفونات.
وهذه الأقوال كلها باطلة، وتدل على كفر صاحبها وإنكاره للمعاد، لأن كلا من العرض واعتدال الطبائع تذهب وتنعدم بالموت، ولا تبقى لتعذب أو تنعم في البرزخ وتعود إلى الأبدان عند بعثها وإخراجها يوم القيامة.
وأحسن ما قيل في بيان حقيقة الروح هو ما دلت عليه عمومات الكتاب والسنة، أنها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيه سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم.
وهذا التعريف هو الذي اختاره ابن القيم ونصره وأورد عليه أكثر من مائة دليل من الكتاب والسنة، وهي وإن كانت عمومات إلا أنها لكثرتها تؤيد هذا القول وتدل عليه ومن تلك الأدلة قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأنعام: 93].
فإنها دلت على أن الروح جسم من عدة وجوه:
أولاً: قوله: ﴿ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيدِيهِمْ فلو لم تكن الروح جسمًا يصلح لبسط اليد وقبضها لم يكن لبسط الملائكة أيديهم معنى عند احتضار الكافر.
ثانيا: قوله: ﴿ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ وجه الاستدلال أن الروح لو لم تكن جسمًا يقبل الخروج والإخراج والخطاب لم يكن لقوله أخرجوا أنفسكم معنى.
ثالثًا: قوله: ﴿ الْيوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ مخاطبة الروح وتوبيخها دليل على أنها جسم يقبل الخطاب والتوبيخ.
ومن الأدلة أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الروح إذا خرج تبعه البصر» وفي هذا دليل واضح على أن الروح شيء يرى ويتبعه البصر.
وأصرح من هذا الحديث في الدلالة حديث البراء بن عازب رضي الله عنه وقد جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه من السماء ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن...» الحديث(12).
فخروجها من البدن وأخذ ملك الموت لها وأخذ الملائكة إياها من ملك الموت ووضعها في الكفن كل ذلك يدل على أن الروح جسم.
والنصوص الدالة على عذاب الروح ونعيمها في البرزخ تدل على أنها جسم وهي كثيرة جدًّا منها قوله صلى الله عليه وسلم: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة».

* * *


الخلاف في حدوث الروح


لم يكن الخلاف قاصرًا على بيان حقيقة الروح وشرح ماهيتها فلقد تنازع الناس في الروح هل هي قديمة أزلية لم يسبقها عدم؟ أو هي حادثة مخلوقة كسائر المخلوقات؟ فكثير من الفلاسفة وعلى رأسهم ابن سيناء يرون أن الروح قديمة أزلية وأنها هبطت على الإنسان من العالم العلوي قسرًا عنها ولقد تعصب ابن سيناء لهذا الرأي في أكثر كتبه حتى قال قصيدته المشهورة في هذا المعنى تعرف بعينية ابن سينا أو النفسية، ومن أبيات هذه القصيدة قوله:

هبطت إليك من المحل الأرفع __________

 

ورقاء ذات تعـزز وتـرفـع __________

محجوبة عن كل مقلة عارف __________

 

وهي التي سفرت ولم تتبرقـع __________

وصلت على كره إليك وربما __________

 

كرهت فراقك وهي ذات تفجع __________

ألفت وما سكنت فلما واصلت __________

 

ألفت مجاورة الخراب البلقـع __________

وأظنها نسيت عهودًا بالحمـى __________

 

ومنازلاً بفراقهـا لم تقنـع __________

حتى إذا اتصلت بهاء هبوطها __________

 

عن جسم مركزها بذات الأجرع __________

علقت بها تاء الثقيل فأصبحت __________

 

بين المعـالم والطلول الخضـع __________

تبكي وقد ذكرت عهودًا بالحمى __________

 

بمدامـع تهمـي ولما تقلـع __________

وتظل ساجحة على الدمن التي __________

 

درست بتكرار الرياح الأربع __________

إذ عاقها الشرك الكثيف وصدها __________

 

قفص عن الأوج الفسيح المربع __________


ومنها أيضًا قوله:

فلا شيء أهبطت من شاهق __________

 

عال إلى قمر الحضيض الأوضع __________


ونحن إذا تأملنا أبيات هذه القصيدة ظهر لنا بوضوح رأي ابن سيناء في هذه المسألة، فإنه صور النفس البشرية بحمامة هبطت من أعلى مكان وأقدسه إلى أسفل مكان وأوضعه فهو يقول: إن النفس البشرية كانت ذات سمو وعلو في العالم العلوي بعيدة عن أن يدركها مدرك حتى ولو كان من العارفين الذين سخرت لهم طبائع الأشياء وكشف لهم من الغيب ما يدركون به بعض العالم الغائب على حد زعمهم.
ومن هذا المحل الرفيع أهبطت إلى الأرض إلى جسم الإنسان مكرهة تبكي فسكنت جسم الإنسان فألفته وكرهت فراقه وأصبحت بسبب هبوطها الذي فارقت به أوجهًا وعلوها أرضية ثقيلة تأنس بكل أرض فنسيت عهد العلو والسمو بسبب الشرك والأقفاص التي حبست فيها وهي أجسام البشر.
ولما كان قول الفلاسفة بقدم الروح مجرد دعوى ومعلوم أن كل دعوى تفتقر في ثبوتها إلى حجة وبرهان يدعمها فقد بحث أصحاب هذا الرأي الفاسد عن شيء يدعمون به رأيهم فلم يجدوا إلا ظواهر آيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، فمن ذلك استدلالهم بظاهر قوله تعالى: ﴿ قُلْ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ،وقوله تعالى: ﴿ وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ روحِي ووجه استدلالهم من الآية الأولى أن الروح إذا كانت من أمر الله فأمر الله قوله، وقوله صفة من صفاته وصفاته قديمة، إذًا فالروح قديمة. ووجه استدلالهم من الآية الثانية أن إضافة الروح إلى الله تقتضي قدمها كما أن إضافة العلم والقدرة وغيرهما من صفات الباري إليه سبحانه تدل على قدمها.

مناقشة الدليلين:


أ ـ مناقشة أدلة القائلين بقدم الروح:


أولاً: ﴿ قلْ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي الأمر يطلق ويراد به الأمر الطلبي ، أي: القول ويطلق ويراد به الشأن، والمأمور والروح من أمر الله الذي هو الشأن، والمأمور لا من أمر الله الذي هو القول ومعلوم أن كل شأن ومأمور مخلوق لتكون الروح من سائر مخلوقات الله ويتضح الفرق بين الأمرين عند الجمع فإن الأمر الذي بمعنى الشأن يجمع على أمور، أما الأمر القولي فإنه يجمع على أوامر.
ثانيا: ﴿ وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رّوحِي إضافة الروح إلى الله سبحانه وتعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، والإضافة إلى الله نوعان: إضافة ذوات، كعبد الله وبيت الله وناقة الله وروح الله، وإضافة صفة إلى الموصوف كعلم الله وقدرة الله وحياة الله.

الرأي الثاني:

الروح محدثة بعد أن لم تكن مخلوقة مربوبة كغيرها من سائر المخلوقات، وهذا هو القول الصحيح، وقد أجمعت عليه الرسالات السماوية وهو ما يؤيده العقل والفطرة السليمة والقياس، فإن كل ما سوى الله حادث، والروح غير الله وصفاته؛ فهي حادثة، ولقد جاءت الدلالة في القرآن الكريم في أكثر من آية على أن الروح حادثة بعد أن لم تكن، من ذلك ما يأتي:
أ ـ قوله تعالى: ﴿ الله خالق كل شيء وجه الاستدلال من الآية أن يقال : الروح شيء وكل شيء مخلوق ينتج الروح مخلوق لأن القاعدة المنطقية في مثل هذا القياس أن تكون النتيجة مركبة من موضوع المقدمة الصغرى ومحمول الكبرى.
ب ـ قال تعالى: ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا وجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى أخبر أن زكريا عليه السلام لم يكن شيئًا قبل خلقه له، ومعلوم أن الإنسان عبارة عن بدن وروح، والخطاب في الآية لزكريا لبدنه وروحه.
ومثل هذه الآية في الدلالة على حدوث الروح قوله تعالى: ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا.
وبما ذكرته يتضح لك أن الروح محدثة مخلوقة من عدم، وأن الله سبحانه وتعالى هو المختص بالأولية والقدم وحده ودون من سواه.

الخلاف في سبق الروح للبدن في الحدوث أو تأخرها عنه:


كما تنازع الناس في قدم الروح وحدوثها تنازع القائلون بأنها محدثة في هل كان حدوثها سابقًا لخلق البدن أو متأخرًا عنه، فذهبت طائفة منهم الإمام أبو محمد بن حزم الأندلسي ومحمد بن نصر المروزي إلى أن الأرواح سابقة للأبدان في الحدوث فيقولون: إن الله خلق الأرواح يوم أخذ الميثاق على آدم واستخرج ذريته من ظهره وأنه أودعها في مكامن خاصة بها ثم يرسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة فإذا تكون الجنين في الرحم وبلغ مرحلة نفخ الروح أرسلت إليه روحه من مكمنها بواسطة الملك واستدلوا على هذا الرأي بأدلة منها قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُم ثُمَّ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَم ، وقوله تعالى: ﴿ وَإذ أَخَذَ رَبُّك مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرَّيتِهم وأشهدهم على أَنْفُسِهِم أَلَسْتُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله مسح ظهر آدم فاستَخْرَجَ ذُريته كالذر».
وجه استدلالهم من الآية الأولى أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأنه خلقنا وصورنا قبل أمر الملائكة بالسجود لآدم لأنه عطف أمر الله للملائكة بالسجود على خلقنا وتصويرنا بثم وهي للتراخي، ومعلوم أن أبداننا لم تخلق إلا بعد خلق أبينا آدم وسجود الملائكة له فتعين أن الخلق والتصوير المذكورين في الآية كانا للأرواح أما وجه الاستدلال من الآية الثانية والحديث أن الآية تضمنت الإشارة إلى أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه قبل خلق أبدان ذريته كما يبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن الله مسح ظهر آدم فاستخرج ذريته» أي: أرواحهم.

مناقشة الأدلة:


قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُم ثُمَّ قُلْنَا للمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَم الآية.. الخلق والتصوير المذكوران في هذه الآية الكريمة المراد بهما خلق آدم وتصويره، وكون الخطاب بصيغة الجمع لا يمنع هذا التفسير إذ من الجائز في اللغة أن يرد الخطاب بلفظ الجمع ويراد به واحد لأهميته وكونه داخلاً في المجموع.
أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيتَهُمْ [الأعراف:172] فاستدلال غير صحيح لأن الآية المذكورة لا تدل على أن الله استخرج أرواح ذرية آدم من ظهره قبل خلق بنيه وإنما تدل على أن الله أخرج من بني آدم ذريتهم بعضهم من بعض، نعم يكون في الآية دليل على ما ذهبوا إليه لو كان لفظ الآية (وإذ أخذ ربك من آدم من ظهره ذريته) لكنه قال: ﴿ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ [الأعراف:172].

الرأي الثاني في المسألة:


أن خلق الأبدان متقدم على حدوث الأرواح وإلى هذا القول ذهب أكثر العلماء منهم تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ ابن القيم وأكثر المحققين وهو الذي تشهد له الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة ومن أدلة هذا القول من الكتاب قوله تعالى: ﴿ يا أَيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء: 1] وجه الاستدلال أن الآية صرحت بأن خلق جملة النوع الإنساني حدث بعد خلق أصله بدلالة من قوله تعالى: ﴿ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ على هذا المعنى.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك» إلى قوله صلى الله عليه وسلم: «ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح»فلو كانت الروح موجودة قبل ذلك لقال: ثم يرسل إليه الروح لكنه قال: فينفخ فيه الروح، تدل على أنها تحدث وقت النفخ بأمر الله.

* * *


الفرق بين الروح والنفس


لقد بحث العلماء هذه المسألة أعني مسألة الفرق بين النفس والروح وتوصلوا إلى نتيجة هي أن لفظ النفس ولفظ الروح لفظان مترادفان يدلان على مسمى واحد، من حيث الوضع اللغوي: هو الروح التي تكون في بدن الإنسان في الحياة وتفارقه بالموت(13).
ولا يرد على هذا الرأي أن لفظ النفس قد يطلق على أمور لا يصح إطلاق لفظ الروح عليها كإطلاق النفس على الدم لأن ذلك عن طريق المجاز لا بمقتضى الوضع اللغوي فإن قول السموأل بن عاديا اليهودي:

تسيل على حد الضباة نفوسنا__________

 

وليست على غير الضباة تسيل__________


لا يعني أن أرواح قومه تسيل على أطراف السيوف والرماح وإنما يعني أن دماءهم هي التي تسيل على سبيل المجاز لعلاقة ملازمة خروج الروح لسيلان الدم الكثير جدًّا في الغالب وكما أن النفس تطلق على معان لا تطلق عليها الروح فكذلك يجوز إطلاق لفظ الروح مجازًا على معان لا يصح إطلاق لفظ النفس عليها كإطلاق بعضهم الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان، وحسب ظني أن العلاقة في التجوز في إطلاق الروح على الهواء أن الريح أصلها الهواء المتحرك والريح: واوية العين أصلها روح وقعت الواو ساكنة بعد كسر فوجب قلبها ياء لتلائم الكسرة كما تقتضيه القاعدة الصرفية ومما يدل على ذلك رجوع الواو في الجمع في كلام العرب كقول زهير بن أبي سلمى:

قف بالديار التي لم يعفها القدم __________

 

بلى وغيرها الأرواح والديم __________


أي: الرياح وكذا قول الشاعرة العربية:

لبيت تخفق الأرواح فيه __________

 

أحب إلي من قصر منيف__________


تعني: الرياح.

* * *


هل تموت الروح


أو الموت خاص بالبدن ؟


يرى بعض الناس أن الروح قابلة للموت والفناء كغيرها من سائر المخلوقات ويستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة منها قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185]، وقوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ [القصص: 88]، وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ الآية [المؤمن: 11].
وجه استدلالهم من الآية الأولى أن الروح نفس وكل نفس ذائقة الموت. النتيجة: الروح ذائقة الموت.
أما وجه الاستدلال عندهم من الآية الثانية فهو أن الروح شيء وكل شيء هالك إلا الله، النتيجة: الروح هالك، أما الآية الثالثة فوجه استدلالهم منها: أنها نصت على أن أهل النار ذكروا في تضرعهم إلى الله واعترافهم بذنبهم أنه أماتهم مرتين فتكون إحدى الإماتتين للبدن والأخرى للروح لأن الأبدان لا تموت إلا مرة واحدة(14).

مناقشة الأدلة:


لقد استدل هؤلاء كما ترى بثلاث آيات من القرآن واستخرجوا منها قياسًا منطقيا من مقدمتين ونتيجة من الشكل الأول من أشكال القياس الأربعة وهذا الشكل نتيجته دائمًا صادقة عند علماء المنطق إذا كانت المقدمات كلها صحيحة مسلم بها الخصم وخصوم هؤلاء ينازعون في المقدمة الصغرى ويقولون: لا نسلم أن الروح دائمًا لا تصدق إلا على النفس وأن النفس دائمًا لا تصدق إلا على الروح فمن الجائز أن يكون المراد بلفظ النفس في الآية الكريمة: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ الذات فيكون المعنى: كل ذات ذائقة الموت لاسيما وقد ورد في القرآن إطلاق لفظ النفس على الذات في أكثر من موضع كقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [النساء:29]، وقوله تعالى: ﴿ فَإذَا دَخَلْتُم بُيوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] الآية، المراد: ذواتكم، أي: لا تقتلوا ذواتكم ـ سلموا على ذواتكم.
وبهذا يتضح أن النفس التي بمعنى الروح لم تقع موضوعًا في المقدمة الصغرى فيختل القياس فتكذب النتيجة.
أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلاَّ وَجْهَهُ فهم إنما استدلوا بها أيضًا عن طريق القياس فقالوا: الروح شيء وكل شيء هالك ينتج الروح هالك، وهذا القياس معارض من حيث إن توهم العموم في موضوع المقدمة الكبرى غير صحيح لأن المعنى: كل شيء كتب الله عليه الهلاك فإنه هالك أما الروح فإنها خلقت للبقاء فلا تدخل في عموم كل فتكون خارجة عن موضوع المقدمة الكبرى فيختل القياس إذ يمكن أن يقول الخصم: كل شيء كتب الله عليه الهلاك فهو هالك والروح خلقت للبقاء فهي باقية.

الرأي الثاني في هذه المسألة:


اعتقاد بقاء الروح بعد مفارقتها للأبدان بالموت في عالم الأرواح إما في عذاب وإما في نعيم إلى أن يرجعها الله إلى الأبدان عند البعث وهذا الرأي هو الحق الذي تشهد له نصوص الكتاب والحديث بل والإجماع ممن يعتد بقولهم فإن الآيات الكثيرة والأحاديث المستفيضة الدالة على عذاب القبر ونعيمه تؤيد هذا الرأي وتدعمه كقوله تعالى: ﴿ النَّارُ يعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيا وَيوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: 46].
وجه الدلالة من الآية أنها نصت على أن أرواح آل فرعون تعرض على النار غدوًّا وعشيا قبل قيام الساعة أي زمن البرزخ فلو كانت الروح تموت أو تفنى لم يكن عرض أرواح آل فرعون على النار الغداة والعشي.
ومن الأدلة أيضًا على بقائها وخلودها قوله صلى الله عليه وسلم: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة» وقوله عليه الصلاة والسلام ما معناه: لما أتلف إخوانكم في سبيل الله يعني: الشهداء ـ جعل أرواحهم في أجران طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْياءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يرْزَقُونَ [آل عمران: 169].
والحق في هذه المسألة أن يقال ـ والمعنى لابن القيم ـ : إن أراد القائل بموت الأرواح خروجها من أبدانها ومفارقتها لها عند الموت فالأرواح تموت بهذا المعنى وإن أراد أنها تفنى وتنعدم فهي لا تموت بهذا المعنى، وهكذا من قال: إن الأرواح لا تموت إن كان يريد أنها لا تفارق الأبدان ولا تنفصل عنها عند الموت فهذا غير صحيح وإن أراد أنها لا تفنى فهي لا تفنى في هذا المعنى وهو الصحيح(15).

* * *


(12) شرح العقيدة الطحاوية للشيخ علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (ص444).
(13) شرح الطحاوية لعلي بن أبي العز الحنفي.
(14) شرح العقيدة الطحاوية للشيخ علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي (ص444).
(15) لوامع الأنوار البهية (ج2 ص40) للشيخ محمد بن أحمد السفاريني.

مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    بعد الربيع العربي وتوابعه هل تحتاج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى إعاده هيكلة وتقديم مشروعها بشكل أكثر تماسكا ووضوحا؟