الأخبار | 
الرئيسية كتب البراهين المتظاهرة
عدد القراء 2270

الإيمان بالمعاد


تمهيـد:


لقد بينا في البحث السابق وجوب وجود الله سبحانه وأقمنا عليه البراهين العقلية والعلمية التجريبية بما لا يدع للشك مجالاً في وجود الباري وأزليته سبحانه وتعالى، ولما كان الإيمان بالمعاد من أهم الأصول التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنها من أصول الإيمان لما سأله جبريل عن الإيمان.
فقد رأيت أن أُردف بحث الإيمان بالله بالبحث في المعاد لا سيما وقد كثر في القرآن ذكر الإيمان باليوم الآخر مقرونًا مع الإيمان بالله فلو استقرأنا كتاب الله لوجدنا فيه عشرات الآيات التي تجمع بين هذين الأصلين فقد تضمنت سورة البقرة وحدها بضع آيات تتضمن ذلك منها:
(أ) ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8].
(ب) ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أََجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلا هُمْ يحْزَنُونَ [البقرة: 62].
(ج) ﴿ وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ [البقرة: 126].
(د) ﴿ لَيسَ الْبِرَّ أََن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ [البقرة: 228].
(هـ) ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يحِلُّ لَهُنَّ أَن يكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إن كُنَّ يؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ [البقرة: 232].
(و) ﴿ ذَلِكَ يوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليوْمِ الآخِرِ [البقرة: 177].
(ز) ﴿ يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي ينفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيوْمِ الآخِرِ [البقرة: 264].
فهذه ثمانية مواضع في سورة واحدة ذكر فيها الإيمان باليوم الآخر مقرونًا مع الإيمان بالله إثباتًا ونفيا فما بالك بما في القرآن كله من هذا النمط؟
لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان منذ وجد على هذه الأرض من فئة مخلوقاته المزودة بصفات تؤهله للامتحان والابتلاء الرباني في مجال الحياة الدنيا وهذه الصفات هي:
1 ـ العقل المزود بالاستعداد لفهم النهي والأمر والتمييز بين الخير والشر والنفع والضر.
2 ـ الإرادة التي لها جانب من الحرية والتصرف.
3 ـ القدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال التي يريدها.
ولما كان الإنسان مزودًا بهذه الصفات التي تكفي لتأهيله لمعرفته سبحانه وتعالى ومعرفة أمره ونهيه؛ وإخباره على ألسنة رسله أنه سيثيبه إن أطاع أوامره واجتنب مناهيه وأنه سيعاقبه إن عصى أوامره وارتكب مناهيه وجعل لهذا الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال السيئة دار جزاء يصير إليها الإنسان بعد مفارقته لهذه الدنيا التي جعلت دار ابتلاء وامتحان كـما قـال تـعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيبْلُوَكُمْ أَيكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور} [الملك: 1، 2].
وقال تعالى: ﴿ إنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان: 2].
ولقد سار المؤمنون بالله واليوم الآخر على هذه الطريقة واعتقدوا وجوب الثواب والعقاب في الآخرة على الأعمال التي يعملها الإنسان في هذه الدنيا ووفقوا بين النصوص التي ضل فيها غيرهم فقيدوا نصوص الوحي المطلقة بالنصوص المقيدة وخصصوا النصوص العامة بالنصوص الخاصة..
أما الذين نبذوا كتاب الله وسنة نبيه وراء ظهورهم تكلموا في الجزاء والثواب والعقاب بغير علم ولا هدى فضلوا في هذا الباب وأخطئوا الصواب.
فقالت المعتزلة والقدرية: إن كلاًّ من الثواب والعقاب مرتب على الأعمال ترتيب العوض على المعوض ولا أثر في ذلك لمشيئة الله وإرادته وفضله وعفوه بل ذلك واجب على الله للعامل وجوبًا ذاتيا.
وقالت الجبرية: إن كلاًّ من الثواب والعقاب لا علاقة له بأفعال العباد ولا هو مترتب عليها لأن العباد ليست لهم أفعال اختيارية في نظر هؤلاء، إنما هي أفعال الله حقيقة لكن أضيفت إلى العبد مجازًا لأنه محلها.
وقد استدلت المعتزلة على مذهبهم في هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يعْمَلُونَ [الواقعة:24].
واستدلت الجبرية بقوله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
أما السلف الذين وقفوا مع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن تحكيم الرأي وتقديمه على الوحي فإنهم جمعوا بين هذه النصوص ووفقوا بين دلالاتها فقالوا: إن الباء في قوله تعالى: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يعْمَلُون للسببية أي أن العمل سبب في حصول الثواب إن كملت شروطه وانتفت موانعه ترتبت عليه مسبباته وإلا فلا.
ومن شروط ترتب الثواب على العمل أن تتحقق مشيئة الله وتفضله على عباده.
أما الباء في قوله صلى الله عليه وسلم : «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» فهي باء العوض أي لا يكون العمل عوض بمجرده بل لابد أن تنضم إليه مشيئة الله وتفضله.
وبعد هذا التمهيد الذي تضمن بيان مناسبة الإتيان ببحث البعث عقب بحث الإيمان بالله.
أبدأ ببيان المقصود وهو البعث ومواقف القيامة.

* * *


الـبـعـث


البعث لغة المصدر: بعثه يبعثه بعثًا.
وقد ورد استعمال البعث في اللغة العربية في معنيين أحدهما: الإرسال تقول بعثت فلانًا بكذا أي أرسلته ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً [النحل: 36] الآية.أي أرسلنا في كل جيل رسولاً.
المعنى الثاني: إحياء الأموات ومنه قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيةٍ وَهِي خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يحْيي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَه [البقرة: 259].
وهذا المعنى الذي هو إحياء الأموات يعبر عنه بلفظ البعث كما ذكر ويعبر عنه بالنشر والنشور، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان: 35]. ومنه قول المهلهل بن ربيعة:
يا لبكر انشروا لي كليبا يا لبكر أين أين الفرار

أي: أحيوا لي كليبا بعد موته.
وهذا المعنى للبعث الذي هو إحياء الأموات يوم القيامة من قبورهم هو المقصود بالبحث في هذا الموضوع.
لقد اجتمعت الشرائع السماوية على أن البعث الجسماني آت لا محالة فجميع الرسل أنذروا أممهم ذلك اليوم وأخبروهم بأن الله سيبعثهم بعد موتهم ويجازيهم على أعمالهم.

* * *


طريقة القرآن الكريم


في إثبات البعث والرد على منكريه


لقد أكثر الله سبحانه من ذكر البعث في القرآن، وأقام الدليل عليه ورد على منكريه في غالب سور القرآن وهذا أمر لا يخفى على كل من قرأ كتاب الله وتدبر آياته وتفهم أوجه دلالاته فمعظم سور القرآن تشتمل على ذكر البعث وبيان براهينه بأساليب مختلفة وعبارات متنوعة فتارة يذكر سبحانه وتعالى البعث بطريقة الإخبار المجرد كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيتُونَ (15) ثُمَّ إنَّكُمْ يوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُون [المؤمنون:15، 16].
وتارة يأمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقسم على البعث كما في قوله تعالى: ﴿ زعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يسِيرٌ [التغابن: 7].
وأحيانًا يكون الإخبار عن المعاد بطريقة إرشاد العقل وتنبيه المكلفين إلى البراهين العقلية التي من نظر فيها أدرك يقينًا قدرة الباري سبحانه وتعالى على إعادة الحياة مرة أخرى إلى الأجسام بعد فنائها واستحالتها، من ذلك:
1 ـ الاستدلال بالبدء على الإعادة، فإن كل عاقل يدرك يقينًا أن من قَدَر على بدء خلق الإنسان وإيجاده من العدم فهو أقدر على إعادته مرة أخرى كما قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ [الروم:27]، وقوله تعالى: ﴿ أَفَعَيينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15].
أي: أَحَصَلَ لنا شيء من العجز والإعياء عند خلقنا للإنسان أول مرة حتى تكونوا أيها المنكرون للبعث في شك وريب من قدرتنا عليه؟!
ومن هذا النمط في الاستدلال قوله تعالى: ﴿ وَيقُولُ الإنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيا (66) أَوَلا يذْكُرُ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يكُ شَيئًا [مريم: 66، 67].
أي: ويقول الإنسان متعجبًا ومستبعدًا إعادة الحياة إليه مرة أخرى بعد موته أئذا مت سوف تعود لي الحياة مرة أخرى؟ فأجيب على هذا التساؤل بقوله: ﴿ أَوَلا يذْكُرُ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يكُ شَيئًا [مريم:67]. أي أيستبعد الإنسان إعادة الحياة إليه مرة أخرى ولا يذكر أن الله خلقه من قبل أن يكون شيئًا مذكورًا.
2 ـ ومن ذلك الاستدلال بقدرته سبحانه على إحياء الأرض بعد موتها على قدرته على البعث.
فإن كل عاقل نظر إلى الأرض وهي ميتة مجدبة ثم نظر إليها بعد أن كساها الله بأصناف النبات المختلفة الأشكال والألوان والزهور والثمار يدرك يقينًا أن من قدر على ذلك فهو على إحياء الأموات أقدر.
قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يحْيي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ [الحج: 5، 6] إلخ.
وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إنَّ الَّذِي أَحْياهَا لَمُحْيي الْمُوتَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير [فصلت: 39].
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا يبين فيها سبحانه وتعالى قدرته على إعادة الحياة يوم القيامة إلى الأجسام مستدلاًّ على ذلك بقدرته على إحياء الأرض بعد موتها.
3 ـ ومنها الاستدلال بقدرته على خلق السموات والأرض على قدرته على البعث وذلك أن من قدر على خلق الشيء العظيم فهو على خلق ما دونه أقدر، ومعلوم أن خلق السموات والأرض أكبر وأعظم من خلق الناس وإعادتهم قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يعْلَمُونَ [غافر: 57].
وقال تعالى: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات:27].
وقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يعْي بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يحْيي الْمَوْتَى بَلَى إنَّهُ عَلََى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف: 33].
وهذا النوع من الاستدلال كثير في القرآن ومن الأساليب الكثيرة المتنوعة في القرآن في سوق الأدلة على إمكان البعث إخباره سبحانه وتعالى عن إحياء الأموات في الدنيا قبل يوم القيامة مثل قصة عزير وحماره حيث أماته الله مائة عام ثم بعثه يشير إلى هذا قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيةٍ وَهِي خَاوِيةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يحْيي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يوْمًا أَوْ بَعْضَ يوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يتَسَنَّهْ وَانظُرْ إلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَينَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259].
وكذلك قصة إبراهيم عليه السلام والطيور وإحياء الله لهن بعد أن جعل على كل جبل منهن جزءًا يشير إلى هذه القصة قوله تعالى: ﴿ وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يأْتِينَكَ سَعْيا [البقرة: 260].
ولو سقت ما في القرآن من الآيات الدالة على إثبات البعث لطال الكلام جدًّا وفيما ذكرته من الأدلة القرآنية مقنع وكاف في حصول القطع في ثبوت البعث الجسماني.
ومن أوضح الآيات القرآنية دلالة على إمكان المعاد الآيات من أواخر سورة (يس) من قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِي خَلْقَهُ قَالَ مَن يحْيي الْعِظَامَ وَهِي رَمِيمٌ (78) قُلْ يحْييهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ [يس: 78 ـ 80] إلى آخر السورة.
فلو رام أعلمهم وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحجة أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضوح الأدلة وصحة البرهان لما قدر فإنه سبحانه وتعالى افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جوابًا فكان في قوله: ﴿ وَنَسِي خَلْقَهُ ما يفي بالجواب وإقامة الحجة وإزالة الشبهة، ولما أراد سبحانه تأكيد الحجة وزيادة تقريرها قال: ﴿ قُلْ يحْييهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فاحتج بالبدء على الإعادة وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، إذ كل عاقل يعلم ضروريا أن من قدر على هذه قدر على تلك، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: ﴿ وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته وكذلك الثاني فإذا كان تام العلم كامل القدرة كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لابد أن تكون مادتها وحالها طبيعة حارة رطبة بما يدل على أمر البعث ففيه الدليل والجواب معًا فقال: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم ثم أكمل هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر فقال: ﴿ أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ [يس: 81].
ثم أكد سبحانه وتعالى ذلك وبينه ببيان آخر وهو أنه ليس فعله كفعل غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة والنصب والمشقة ولا يمكنه الاستقلال بالفعل بل لابد معه من آلة ومعين أما هو سبحانه فيكفي لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكون (كن) فإذا هو كائن كما شاءه وأراده.
وهذا العرض الرائع للأدلة والتنظيم العجيب والترتيب المتقن والإكثار من الاستدلال هو الذي جعل الفلاسفة يدعون زورًا أن معاد الأبدان لم يفصح عنه أحد من الرسل ولم يخبر به أمته إلا محمد صلى الله عليه وسلم.
ولقد كذبوا على الأنبياء وضلوا في هذا الباب فإن جميع الرسل أخبروا عن اليوم الآخر وبينوه لأممهم بيانًا كافيا إلا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بين تفصيل اليوم الآخر بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء.
لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ولأن القوم الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا ينكرون البعث أشد الإنكار ويرونه من الأمور المستحيلة الوقوع كما صرح بذلك العاص بن وائل حيث جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ عظمًا قد أرم ففته بيده وقال أتزعم يا محمد أن الله يقدر أن يحيي هذا، وكما حكى الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق: 1 ـ 3](11).

* * *


مذاهب الناس


فى البعث والجزاء يوم القيامة


لقد أجمع أهل الملل والشرائع السماوية بحسب أصولها الصحيحة على أن البعث حق لا شك فيه كما تقدم وذلك لأنه أمر جائز الوقوع عقلاً. وقد جاءت الأخبار الربانية الصريحة القاطعة في جميع الأصول الصحيحة للأديان والشرائع السماوية كافة بأنه من الأمور المقدرة المقضية بقضاء الله وقدره التي لا شك في وقوعها إذا جاء أجلها ، لذلك يجب التسليم لإخبار الله عز وجل والإيمان بما تضمنته دون تردد أو تأويل أو تحوير.
والإيمان بالبعث وإن كثرت أدلته في القرآن العزيز والسنة المطهرة وشرائع الرسل السابقين فقد أنكره بمفهومه الصحيح كثيرون ويمكننا أن نقسم هؤلاء المنكرين إلى ثلاثة أقسام:

الفرقة الأولى:


أن يقولوا كما حكى الله عنهم في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا إنْ هِي إلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام: 29].
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا مَا هِي إلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَمَا يهْلِكُنَا إلاَّ الدَّهْرُ [الجاثية: 24].
وطبيعي في هؤلاء أن ينكروا أمر البعث بعد أن أنكروا وجود الخالق الذي تظاهرت على إثباته جميع الأدلة المثبتة في كل ذرة من ذرات الكون وبعد أن جحدوا هذه الحقيقة الظاهرة التي يشهد لها ما لا يحصى من الأدلة في أنفسهم وفي الكون من حولهم فطبيعي أن ينكروا المعاد.
والرد على هؤلاء الوجوديين الذين جمعوا بين إنكار الخالق وإنكار البعث أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى قد أنكر على هؤلاء ورد عليهم في كتابه العزيز بلفت النظر إلى وجود الخالق العظيم من خلال مظاهر قدرته وحكمته في خلق السموات والأرض وهذا الطريق من الاستدلال يأخذ بيد المنكرين إلى التعرف على حقيقتين:
الحقيقة الأولى: حقيقة وجود الخالق العظيم الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
الحقيقة الثانية: إثبات البعث لأن من أقر بوجود الله وآمن بصفاته العظيمة كقدرته على كل شيء وعلمه المحيط بكل شيء وعدله بين خلقه وحكمته العظيمة أدرك يقينًا أنه لم يخلق هذا الخلق عبثًا بل لابد من أن يكون لهم دار للجزاء غير هذه الدار.

الفرقة الثانية:


وهم قسم من الذين يعترفون بوجود الخالق ويقرون بربوبيته ولكنهم يشركون به في العبادة وينكرون البعث ومن هذا القسم المشركون الوثنيون من العرب وغيرهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس لهؤلاء من حجة إلا الاستبعاد المجرد وإظهار التعجب والاستغراب.
وقد حكى الله عنهم ذلك بقوله: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ[ق:3،2].

الفرقة الثالثة:


وهم قسم من الذين يعترفون بوجود الخالق ووحدانيته ولا يشركون معه أحدًا ولكنهم ينكرون البعث الجسدي ويثبتون الحياة الثانية بشكل روحاني فقط، وذلك لأنهم حكموا تصوراتهم الخاصة في أمور الغيب دون أن ينظروا إلى الحقائق التي جاءت بها الشرائع السماوية.
وليس لهؤلاء أدنى شبهة على إنكار المعاد الجسماني سوى استبعادهم لذلك وعدم الالتفات لما جاءت به الشرائع السماوية وطريقة القرآن العزيز في الرد على هاتين الفرقتين: الثانية والثالثة : هي استقصاء شبههم وحصر أوهامهم ثم نقضها شبهة شبهة كما تقدم في أول هذا البحث كاستدلاله بالبدء على الإعادة، واستدلاله بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الحياة إلى الأجسام يوم القيامة، واستدلاله بإخراج النار وهي ذات طبيعة حارة يابسة من الشجر الأخضر وطبيعته رطبة باردة، وكاستدلاله بخلق السموات والأرض على خلق الناس، إلى غير ذلك من أساليب المحاجة والمناظرة الواردة في القرآن العزيز على منكري البعث.

* * *


(11) شرح الطحاوية لعلي بن أبي العز الحنفي.

مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    بعد الربيع العربي وتوابعه هل تحتاج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى إعاده هيكلة وتقديم مشروعها بشكل أكثر تماسكا ووضوحا؟