الأخبار | 
الرئيسية كتب البراهين المتظاهرة
عدد القراء 3044

ما يجب لله من صفات الكمال


بعد أن ثبت بشكل قاطع لا يدع مجالاً للشك في أن الله موجود وأن وجوده واجب فإني سأبين ما يجب له سبحانه وتعالى من صفات الكمال وما يجب تنزيهه عنه من صفات النقص والعيب.
إن الطريقة الصحيحة التي يجب أن يسار عليها في صفات الله إثباتًا ونفيا هي أن يثبت له من صفات الكمال إثباتًا مفصلاً وينفى عنه كل نقص وعيب نفيا مجملاً.
﴿ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] وهذه الطريقة هي التي سار على نهجها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان.
وما زالوا كذلك إلى أن حدث الاختلاف في عقيدة المسلمين بسبب أعداء الإسلام الذين انضموا إلى صفوف المسلمين يظهرون الرغبة في الإسلام ويبطنون الكيد له ولأهله فافترق المسلمون واختلفوا في العقيدة كما قال صلى الله عليه وسلم:
«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة».
قيل: من هم يا رسول الله؟
قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»(8).

* * *


منهج السلف في أسماء الله وصفاته


لقد سار السلف في أسماء الله وصفاته على منهج القرآن في ذلك فوقفوا مع نصوص الكتاب والسنة في الأسماء والصفات فما أثبته الله لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم يثبتونه ويؤمنون به ولا فرق عندهم في ذلك بين الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والصفات الفعلية كالغضب والرضا، يثبتون الجميع إثباتًا خاليا من التشبيه.
كما ينزهون الله سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق به من النقائص والعيوب تنـزيهًا لا يصل إلى حد التعطيل وفقًا لقوله تعالى: ﴿ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
يثبتون إثباتًا مفصلاً وينفون نفيا مجملاً؛ ومعنى الإثبات المفصل والنفي المجمل ألا يثبت لله من الصفات إلا ما ورد به النص، أما النفي فإننا نجمل فيه ونقول: كل نقص أو عيب فالله منزه عنه.
أما المخالفون لمنهج السلف منهم فرق عديدة أكبرها:
(أ) الجهمية.
(ب) المعتزلة.
(ج) الأشاعرة والكلابية والماتريدية.
(د) المشبهة.

الجهمية:


الجهمية أتباع الجهم بن صفوان السمرقندي والجعد بن درهم.
وهؤلاء قوم نفوا عن الله سبحانه وتعالى جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا وقالوا لا يوصف الله بصفة يوصف بها المخلوق، ولا يسمى باسم يسمى به المخلوق مطلقًا فجردوه تعالى عن أسمائه الحسنى وعطلوه عن صفات الكمال، وشبهتهم في ذلك التنـزيه فإنهم يقولون لو أثبتنا لله صفة يوصف بمثلها المخلوق للزم أن يكون الله مشابهًا للمخلوقين فهم عطلوا الصفات خوفًا من التشبيه بزعمهم.
ونقول لهم عند نقض هذه الشبهة إما أن تثبتوا لله صفة الوجود وإما أن تنفوها عنه، وعلى كلا التقديرين فأنتم محجوجون لأنكم إن نفيتم صفة الوجود كفرتم وإن أثبتم صفة الوجود قيل لكم: المخلوق يوصف بالوجود فإن قلتم وجود الله ليس كوجود المخلوق بل هو وجود يخصه ويليق بجلاله قيل لكم وكذلك الصفات الأخرى التي نفيتموها ليست كصفات المخلوقين بل هي صفات تخصه وتليق به. كالغضب والرضا والنزول والاستواء وغيرها من الصفات الفعلية والذاتية التي جحدتموها وعطلتم الباري منها.

المعتزلة:


المعتزلة أتباع واصل بن عطاء الغزال، وعمرو بن عبيد وسموا معتزلة لأن واصل بن عطاء كان من تلامذة الحسن البصري وكان يومًا في حلقته فسأل أحد الحاضرين عن حكم مرتكب الكبيرة هل يخرج من الإيمان بمجرد ارتكابه الكبيرة؟ وقبل أن يجيب الحسن عن هذا السؤال سارع واصل بن عطاء فقال: أنا أقول مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ثم اعتزل الحلقة وجلس إلى سارية من سواري المسجد يشرح هذه القاعدة ويبين للحاضرين أصولها فقال له الحسن (اعتزلت حلقتنا) فسمي واصل وأصحابه المعتزلة.
ورأي المعتزلة في الصفات كرأي الجهمية (التعطيل) ينفون عن الله كل صفة من صفات الكمال، إلا أنهم يختلفون مع الجهمية في مسألة الأسماء الحسنى فإن الجهمية ينفونها والمعتزلة يثبتونها ولكن يجعلونها أعلامًا مترادفة لا تدل على شيء أكثر من الذات فالعليم لا يدل على العلم والرحيم لا يدل على الرحمة والمريد لا يدل على الإرادة وهكذا كل اسم أثبتوه لله فإنه لا يدل إلا على ذات الله فقط.
وشبهة المعتزلة في نفي الصفات التنزيه أيضًا كشبهة الجهمية إلا أنهم يختلفون معهم في طريقة الاستدلال، فالجهمية يستدلون على نفي الصفات بقولهم: إنه يلزم من إثبات الصفات لله أن يكون جسمًا لأن الصفات أعراض والأعراض لا تقوم إلا بالجسم، والأجسام متماثلة لأن جواهرها التي ركبت منها متماثلة قبل التركيب.
ونقول لهم عند نقض هذه الشبهة:
لا نسلم أن الصفات أعراض حتى يلزم منها الجسم.
وإذا سلمنا أن الصفات أعراض فلا نسلم أن الأجسام متماثلة لوجود الفرق الكبير بين جسم الذرة وجسم الفيل مثلاً.
وكل منهما يسمى جسمًا، علمًا بأن مسألة الجسم عند السلف لا يجوز إطلاق القول فيها لا نفيا ولا إثباتًا؛ لأن الصفات توقيفية ولم يرد في القرآن ولا في السنة إثبات للجسم ولا نفيه.
وبعض المعتزلة يسلكون طريقًا آخر في الاستدلال على نفي الصفات ويقولون إن أخص أوصاف الله القدم ولو أثبتنا له صفات قديمة لزم ذلك تعدد القدماء وهو شرك بالله في القدم فنفوا عنه الصفات لهذا المعنى، ويرَدُّ عليهم فيقال: إن صفات الله تعالى صفات قائمة بذاته ليست منفصلة عنه ولا بائنة منه حتى يلزم التعدد فهو سبحانه وتعالى واحد بذاته، موصوف بصفات الكمال، قديم وما سواه محدث.

الأشاعرة والكلابية والماتريدية :


الأشاعرة: قوم ينتسبون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ويزعمون أنهم على مذهبه في الصفات.
والواقع أنهم مخطئون في هذا الزعم لأن مذهب الأشعري الأول هو مذهب المعتزلة.
ومذهبه الأخير مذهب السلف ومذهب الأشاعرة في الصفات مخالف لمذهب المعتزلة، لأنهم يثبتون بعض الصفات والمعتزلة لا يثبتون شيئًا منها.
ومخالف لمذهب السلف حيث إن السلف يثبتون لله جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة والأشاعرة لا يثبتون إلا بعضها وأنت بهذا ترى أن الأشاعرة أقرب إلى رأي الجهمية منهم إلى رأي السلف، وحقيقة مذهبهم في الصفات أنهم يثبتون لله صفات الذات وهي العلم والإرادة والحياة والقدرة والسمع والبصر والكلام.
وينفون عنه صفات الفعل كالغضب والرضا والرؤية والاستواء، وبعضهم يثبت صفات زائدة على هذه السبع، وشبهتهم في ذلك أن الصفات الفعلية حادثة.. والله سبحانه وتعالى منزه عن الحوادث.
والرد عليهم أن يقال: إن الصفات الفعلية وإن كانت تحدث آحادها فجنسها قديم فهي قديمة النوع حادثة الآحاد.
فأيضًا فلو قالوا مثلاً: إن الغضب غليان دم القلب فكيف يوصف الله به قيل لهم أنتم تثبتون الإرادة لله ومعلوم أن الإرادة ميل القلب إلى المراد فكيف تثبتونها لله... فلابد أن يقبلوا أن الإرادة التي تفسر بميل القلب هي إرادة المخلوقين.
أما إرادة الله: فإنها تخصه وتليق به،قيل لهم وكذلك الغضب الذي يفسر بغليان دم القلب هو غضب المخلوقين.. أما غضب الله: فإنه يخصه ويليق به وهكذا يقال في جميع الصفات الفعلية التي تنفونها.
أما الكلابية:
أتباع عبدالله بن سعيد بن كلاب، والماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي فمذهبهم في الصفات مماثل لمذهب الأشاعرة لا يختلف عنه إلا في مسائل قليلة جدًّا(9).

المشبهة


المشبهة: أتباع هشام بن الحكم الرافضي وداود الجواربي وغيرهما وهؤلاء قوم أثبتوا لله الصفات ولكن غلوا في الإثبات حتى مثلوا الله بخلقه فقالوا: إن صفات الله الواردة في القرآن الكريم والسنة تماثل صفاتنا من كل وجه وقالوا: إن الله جسم مركب له طول وعرض وأعضاء وأبعاض تماثل أعضاءنا وأبعاضنا.
تعالى الله وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًًا، وهؤلاء كفار خارجون عن الإسلام وقد استدلوا على مذهبهم الفاسد بمطلق الإثبات الذي تضمنته آيات الصفات وأحاديثها.
ويرَدّ عليهم بنصوص النفي التي تضمنت تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين كقوله تعالى: ﴿ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11].
وكقوله: ﴿ وَلَمْ يكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 4].
وقوله: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا [مريم: 65]. وغير ذلك كثير في القرآن مما يدل على نفي مشابهة المخلوقين أو مماثلتهم بشيء من صفاته سبحانه وتعالى(10).

* * *


(8) صحيح: انظر حديث رقم (2042) فى صحيح الجامع.
(9) التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية.
(10) التدمرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية.


مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    بعد الربيع العربي وتوابعه هل تحتاج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى إعاده هيكلة وتقديم مشروعها بشكل أكثر تماسكا ووضوحا؟