الأخبار | 
الرئيسية كتب البراهين المتظاهرة
عدد القراء 3975

إثبات وجود الخالق


عن طريق التأمل في مخلوقاته


إننا إذا انتقلنا من الدليل الفطري على وجود الخالق العظيم إلى الأدلة النظرية وتأملنا هذا الكون الواسع الفسيح، وما أودع فيه من بديع الصنع وعجيب الإتقان الذي لا يصدر إلا عن فاعل مختار.
إننا إذا تأملنا العالم العلوي بما فيه من سموات وأفلاك وكواكب وشمس وقمر... ونظرنا في العالم السفلي بما فيه من جبال وأنهار وبحار وحيوان ونبات.
حصل لنا القطع بوجود الخالق، بل نفس الإنسان فيها من الشواهد والأدلة ما يفيد القطع بوجود الصانع، فإن جسم الإنسان يشتمل على كثير من الأجهزة التي بلغت في الدقة والتعقيد درجة حيرت عقول الأطباء والفلاسفة وغيرهم كجهاز التنفس وجهاز الدورة الدموية وجهاز الهضم وغيرها من الأجهزة الدقيقة التي حير العلماء قرونًا عديدة كشف أسرارها.. بل إن غير الإنسان من الحيوانات الكثيرة التي نعلمها والتي لا نعلمها يشارك الإنسان في دقة الصنع وغرابة التكوين، فانظر إذن كم عدد أفراد الإنسان في جميع البلدان وفي جميع الأعصار.
وكم عدد الحيوانات كذلك وإلى هذه النشأة البديعة العجيبة، نشأة الإنسان والحيوان والنبات من المادة الميتة التي لا حياة فيها ولا شعور.
يشير الكتاب الكريم بقوله تعالى: ﴿ يخْرِجُ الْحَي مِنَ الْمَيتِ [الأنعام:59].
إن أي عاقل نظر في هذا العالم علويه وسفليه، حيوانه وجماده وما أودع فيه من عجائب المخلوقات وغرائب الصنع وما يسير عليه من نظام متقن بديع لا تفاوت فيه ولا اضطراب يدرك ضرورة أن مثل هذا لا يصدر إلاّ عن مدبر حكيم(2) .
وهذا المنهج منهج النظر في آلاء الله ومخلوقاته هو الذي نهجه القرآن العزيز في لفت نظر الخلق إلى الاعتراف بالله والإقرار بوجوده وتدبيره وربوبيته : ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يتَبَينَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53].
﴿ وَفِي الأَرْضِ آياتٌ لِّلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21،20].
﴿ إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأََرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا ينفَعُ النَّاسَ وَمَا أََنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالأََرْضِ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يعْقِلُونَ [البقرة: 164].
آيات عظيمة وبراهين قاطعة،سماء واسعة عالية بلا عمد، وشمس تشرق فيأتي النهار، وتغرب فيأتي الليل، قمر وكواكب، ليل ونهار متعاقبان، يأتي الليل فيغطي العالم بظلامه ينقطع فيه الخلق إلى نومهم وراحتهم، ويعقبه النهار فيخرجون فيه إلى معاشهم وحروثهم وتجاراتهم وصناعاتهم وغيرها...
بحار تضطرب أمواجها وتعلو متونها السفن، وتنقل المسافرين من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم.
سحب تتكاثف وأمطار تنـزل... كل هذه آيات وشواهد ناطقة بوجود الخالق المدبر العظيم.
هل يتصور عاقل أن تتم مثل هذه الأمور صدفة من غير فاعل مريد وقد ضرب ابن القيم رحمه الله في كتابه «مفتاح دار السعادة» الجزء الأول ص214 مثالاً أوضح فيه استحالة صدور الكون عن غير مدبر حكيم فقال: «فاسأل المعطل الجاحد ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته وأحكم تركيبه وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه حيث لا يرى الناظر فيه خللاً في مادته ولا في صورته، وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها وفي تلك الحديقة من يلُم شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منه شيء ولا يتلف ثمارها، ثم يقسم غلتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منهم ما يليق به ويقسم هكذا على الدوام.
أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟
بل اتفق وجود ذلك الدولاب وتلك الحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا قيم ولا مدبر.
أفترى ما يقول لك عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟».
يشير رحمه الله في هذا المثال إلى أن هذه الجزئية الصغيرة من جزئيات الكون الكثيرة لا يصح في عقل إنسان أن يكون هذا المثال صدر عن غير فاعل مدبر، فمن باب أولى ألا يصدر هذا الكون الكبير عن غير فاعل وصانع حكيم عليم يفعل بمشيئته وإرادته.

* * *


إثبات وجود الخالق بالأدلة العقلية


والبراهين العلمية التجريبية


إن كثيرين من مرضى العقول ممن فسدت فطرهم وانحرفت أفكارهم واستولت عليهم الشبه والشكوك ينكرون وجود الصانع ولا يعترفون بشيء سوى هذا العالم المادي المشاهد، ويدعون أن كل شيء في هذا الكون صدر عن: إما الطبيعة أو الصدفة أو المادة؛ أصنام ثلاثة يعللون بها باطلهم ويموهون بها على السذج من الناس من أمثالهم.
وسوف ترى أن هذه الشبه الثلاث التي طالما تغنى بها الملاحدة أوهام ما هي إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.

* * *


عجز الطبيعة عن الإبداع والخلق



مما لا شك فيه حتى عند أصحاب الطبيعة أن الطبيعة ميتة لا حياة فيها ولا شعور لها ولا إدراك ولا عقل ولا إرادة...
ومن هذا شأنه فلا يقدر على خلق ذرة أو إيجاد حبة فضلاً عن خلق هذا الكون العظيم بما فيه من تنظيم وإحكام وتدبير وإتقان وحياة ونمو، فكيف يتصور عاقل يعي ما يقول أن الطبيعة الفاقدة للحياة والشعور والإدراك تمنح غيرها الحياة والشعور والإدراك... وكيف يفسر عاقل ما يحدث في هذا الكون من اختلاف وتغير بين أنواع جزئياته عن محدث لا يملك الإرادة؟
هذا أمر يستحيل تصوره في بديهة كل إنسان.
إن القول بأن الطبيعة تخلق شبه مصطنعة من شبهات العصر وضلالة مبتدعة من ضلالاته وهي مع هذا لا تعدو كونها وهمًا لا حقيقة له ولا وجود ولا يستند إلى أصل صحيح ولكنها مع اصطناعها هذا و كونها وهمًا نجدها مسيطرة على عقول كثير ممن يدعون الثقافة والمعرفة، وقد انطلت عليهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء البحث والتمحيص.
إنك حينما تبادر أحد الطبيعيين بالقول: من خلق السموات والأرض؟ يقول لك: الطبيعة. ومن خلق النبات والحيوان؟ يقول لك: الطبيعة.. من خلق الإنسان؟ يقول لك الطبيعة.
فمن يدبر جميع هذه الأمور الفلكية والحيوية والغريزية وكل حساب دقيق ونظام لا يحيد؟ فسيقول لك: الطبيعة.
إذن: فما هي الطبيعة؟ وما هي مفاهيمها؟ وما هي حقيقة تأثيرها؟
الطبيعة في اللغة: السجية والخلق. غير أن للطبيعة اليوم في عقول الناس حسب تفاوتهم (مفهومان):

المفهوم الأول:


أنها عبارة عن الأشياء بذاتها، فالجماد والنبات والحيوان، كل هذه الكائنات هي الطبيعة. وهو مفهوم غير دقيق. وحكم غير سديد كما سنبين لك في فصل لاحق.

المفهوم الثاني:


إنها عبارة عن صفات الأشياء وخصائصها، فهذه الصفات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وملاسة وخشونة... وهذه القابليات من حركة وسكون ونمو واغتذاء وتزاوج وتوالد، كل هذه الصفات والقابليات هي الطبيعة.
أما القول الأول فلا يخرج بالطبيعة بالنسبة لخلق الوجود عن تفسير الماء بالماء.
فالأرض خلقت الأرض والسماء خلقت السماء والأصناف صنفت نفسها والأشياء أوجدت ذاتها.
فهي الحادث والمحدث، وهي المخلوق والخالق في الوقت ذاته وهذا القول بين البطلان.
أما القول الثاني وهو الاعتماد على قابليات الأشياء وخصائصها في التكوين فنقول فيه:
الحقيقة أن الذين يعزون الخلق إلى تلك القابليات والخصائص لا يعدون كونهم وصّافين لتلك الظواهر لا يعرفون كنهها ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن حقيقتها، ولو فعلوا ذلك لوجدوا أن القابلية التي اعتمدوا عليها في خلق الشيء سراب خادع يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ولإيضاح ذلك بالطريق العلمي نضرب المثال التالي:
نضع حبة في التراب ونسقيها بالماء فتنتفخ وتنفلق فيظهر منها الرشيم ويندفع فيه الجذر إلى أسفل والساق إلى أعلى وتنشأ الأوراق فالأزهار فالثمار وتكون الحبة قد أنتجت تفاحة مثلاً فالقابلية التي كانت في الحبة هي:
الانتفاخ والانفلاق وظهور الرشيم ولولا هذه القابليات المتوالية لما اضطرت تلك الظواهر الحيوية ولما نشأت عنها الثمرة، فلنأت إلى هذه القابلية بالذات نبحث عن حقيقتها.
لو لم تنتفخ الحبة وتنفلق لما نشأ شيء فمن الذي نفخها وفلقها؟ لو كان للحبة عقل وتفكير وتدبير لقلنا إن عقلها هو الذي هيأ لها ذلك، ولو أن الماء هو الذي نفخها وفلقها لأمكن للماء أن ينفخ الحديد ويفلقه، إذن فلابد من مؤثر وقبول لتأثير ذلك المؤثر، وإذا كانت الحبة بذاتها جدلاً انتفخت وانفلقت فلماذا لم تجمد وتضمر بدل أن تنتفخ وتنمو؟ ولكي يحصل التكاثر والبقاء يحتاج الأمر إلى عقل وإدراك ومنهاج مرسوم من قبل تلك البذرة.
والبذرة لا تملك شيئًا من ذلك فكيف حصلت إذن ثمرة بعينها؟ بل كيف حصلت ثمار كثيرة ومتنوعة؟ وكيف كمنت الغاية المعينة والصفات المقصودة في صميم كل بذرة منها؟
والحقيقة أن من أمعن النظر في تعبير الطبيعيين المستندين إلى القابلية حينما يقولون: طبع النبات على ذلك، انتفخت الحبة وانفلقت وتوالدت الخلايا، تميل الخلية الحية إلى الانقسام، إنها أفعال مبنية للمجهول لجهلهم أو تجاهلهم الفاعل الحقيقي فكأن الطبيعي أغمض العين عن السبب الحقيقي وبنى الفعل للمجهول تخلصًا، فمن الذي نفخ الحبة؟ ومن الذي فلقها؟ ومن الذي أدى إلى التوالد؟ ومن الذي جبل الخلية على الانقسام؟ ومن الذي جعلها تنتفخ بدلاً من أن تضمر؟ كل هذا التحقيق لا تصل إليه نظرة الطبيعيين القصيرة بل المقتصرة على وصف الظواهر دون الذهاب إلى أسبابها، بل المخطئة في جعل الصفة المنفصلة سببًا فاعلاً، والقابلية مؤثرًا، والظاهرة المجهولة عاملاً مكونًا، فالانتفاخ صفة نشأت عن المؤثر الخارجي عن الشيء وعن قبول أثره في ذلك الشيء والانفلاق صفة.. إلخ.
وما زاد الطبيعي على أن جعل من مجموع هذه الصفات مفهومًا مركبًا سماه: «قابلية التوالد والنمو» فجعل من القابليات التي هي عرض من أعراض الشيء سببًا في الخلق ومن الصفة الانفعالية التي لا تعي ولا تدرك سببًا فاعلاً واعيا في تكوين الأشياء... إذن فمن الذي ركز الطبيعة في العناصر؟ ومن الذي نوع تلك الطبائع؟(3) .

الصدفة لا تخلق


وبعد أن هوى الصنم الأول (الطبيعة) وتحطم على صخرة الحقيقة وبعد أن احترق الحجاب الكثيف الذي نسجه الملاحدة الدهريون من الدعاية والأباطيل حول الطبيعة بشهب اليقين فإننا نعرض لصنم آخر هو الصدفة أي دعوى الملاحدة بأن هذا العالم حدث صدفة لم يكن له فاعل مريد وحيث إن هذه الدعوى وهمٌ وخيال رسخت في أذهان الملحدين، فسوف نشرحها لك بإيجاز؛ لنبين بطلانها بطريقة لا تدع للشك مجالاً في أنها كذب وافتراء.
إنهم يقولون: صحيح أن الكون المادي لم يكن موجودًا في صورة نجوم وكواكب وسيارات كالتي نشاهدها فتلك حادثة قطعًا لكن شيئًا ما يمكن اعتباره أساسًا للمادة كان موجودًا قبلها فحدث شيء ما فجأة لسبب مجهول فأدت الصدفة البحتة إلى نوع من الاضطراب في الأساس الذي نشأت عنه مادة الكون الحالية فنشأت عن ذلك الاضطراب ظروف مواتية أدت إلى تحليق الكواكب والسيارات في مجموعات كبيرة ما لبث أن انفصل بعضها عن بعض بقوة دفع الاضطراب المتتابع الأثر ثم تكونت الأرض وأخذت العناصر تتجمع على سطحها وتختلط حتى حدث بطريق المصادفة البحتة أن اجتمعت عناصر معينة وتفاعلت بمحض الصدفة فصادف تجمعها ظروفًا ملائمة لنشأة الحياة على الأرض فانبعثت من هذه الظروف نواة الحياة الأولى التي نمت وتفرعت وتطورت تلقائيا حتى وصلت إلى النبات والحيوان والإنسان فتأثرت في ذلك كله بعوامل البيئة المادية وتطور الأجناس الطبيعي.
هذا هو ملخص دعوى الماديين في أصل الكون ونشأة الحياة، فما نصيب هذه الدعوى من التفكير العلمي المحض بحق؟
إن دعوى صدور هذا الكون عن طريق الصدفة المحضة دعوى باطلة لا تقوم على أصل صحيح ولا تستند إلى أصل ثابت بل لقد أثبت العلماء الرياضيون عن طريق القوانين الرياضية أن صدور الكون عن طريق المصادفة المحضة أمر مستحيل التصور فقد وضعوا قانونًا يضبط نسبة الإمكان والاحتمال في كل قول بالمصادفة وهو يقوم على جمع إحصائي لكل ما يتضمنه القول.
ثم تطبيق قواعد رياضية علمية ينتج عنها تحديد كامل لشروط الإمكان الصحيح في القول المفترض وعلى سبيل المثال فإن العلماء الرياضيين قاسوا قدر الإمكان والاحتمال في القول المادي السابق بنشأة نواة الحياة الأولى بمحض تجمع عناصر معينة بطريق المصادفة البحتة دون تدبير قاصد فانتهوا من ذلك إلى الاستحالة أن يكون الأمر قد حدث على هذا النحو لأنهم جمعوا عناصر المادة وكميتها وتنوعها فوجدوا أن قدر المادة الموجودة في الكون لا يكفي رياضيا لنشأة نواة الحياة، ومن ثم توصلوا إلى أنه لابد من وجود إرادة قاصدة عالمة وراء بدء الخلق ونشأة الحياة فيه.
إن دعوى الملحدين بأن حدوث العالم حصل صدفة بلا فاعل مريد دعوى كاذبة ينقضها الإحكام والإتقان المشاهد في جميع أفراد الكون وجزئياته التي إذا تأملها العاقل بإنصاف وتجرد، أدرك يقينًا أن مثل هذا لا يحدث إلا عن إرادة صادرة عن مريد حكيم عالم يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها.
ولقد أكثر العلماء من ذكر الأمثلة التي يثبت بها بطلان شبهة المصادفة فمن ذلك نسبة الذكور إلى الإناث في كل مجتمع ففي كل مجتمع يوجد الأعزب من الرجال والعزبة من النساء كما يوجد المتزوجون الذين تختلف حالاتهم من حيث الإنجاب بين العقم أو إنجاب الذكور وحدهم أو إنجاب الإناث وحدهن أو إنجاب الذكور والإناث فعندنا إذن خمس حالات فردية في كل مجتمع صغير أو كبير لكن حصيلة الأمر دائمًا في كل مجتمع هو التناسب بين مجموع عدد الذكور من كل الأعمار ومجموع عدد الإناث من كل الأعمار (49 ـ 51 أو 49.5 ـ 50.5 أو 48.5 ـ 51.5 أو 48ـ 52) ولم يختل هذا التناسب في أي مجتمع بشري اختلالاً كبيرًا إلا بسبب ظروف طارئة مثل الحرب الكبيرة التي تأكل الرجال فتزيد نسبة النساء ونحو ذلك ومع هذا فقد لوحظ بمزيد من الدهشة أن آثار هذه الظروف الطارئة لا تستمر طويلاً حيث لوحظ أنه في أعقاب الحرب الكبيرة تزيد نسبة المواليد من الذكور حتى يرجع التناسب تدريجيا.
ما الذي يدل عليه هذا التناسب العجيب الذي يسود الأجناس البشرية كلها في كل زمان ومكان؟ إنه يقطع بأن هناك نظامًا كونيا يتمثل في سنة عامة قاصدة هيمنت على البشرية.. فهل يمكن أن يكون هذا النظام المحكم ذو الغايات المقصودة قد صدر عن محض الصدفة البحتة التي لا قصد فيها ولا إرادة.
أعتقد أن التفكير السليم يقضي باستحالة ذلك.
ومثال آخر يذكره العلماء عند نقض شبهة دعوى المصادفة: وهو أن نسأل هؤلاء هذا السؤال:
هل لو وضعنا في علبة من الخشب مثلاً مجموعة كبيرة من الحروف المعدنية التي تستعمل في الطباعة تكفي لتكوين فقرة تامة من الكلام المحكم الرصين، تصور حادثة وقعت تصويرًا صحيحًا وضعًا مشوشًا غير مرتب ثم هززنا العلبة هزًّا قويا يحرك جميع ما فيها من حروف وهي محكمة الغلق ثم فتحنا العلبة أيمكن أن تتضام الحروف المناسبة بعضها إلى بعض حتى تُكوّن كلمات ثم الكلمات المناسبة بعضها إلى بعض حتى تكون جملاً صحيحة ثم الجمل بعضها إلى بعض حتى تكون الفقرة المطلوبة، هل يجوز ذلك؟ فإذا جوزوا حدوثه مرة هل يجوز حدوثه ثانية، وإذا جوزوا حدوثه ثانية هل يجوز حدوثه ثالثة ورابعة وخامسة ومئات وآلاف وملايين المرات بحيث تصبح المصادفة البحتة تكفي لأن تصنع ذلك ملايين المرات، ولو بلغ بهم العناد والمكابرة حدًّا يقولون معه بجواز ذلك(4).
أو أن في هذين المثالين دلالة قاطعة على بطلان دعوى المصادفة التي طالما لجأ إليها الملحدون وتستروا وراءها إذا سئلوا عن خالق هذا الكون ومبدعه... ولنذكر نماذج من أقوال العلماء ـ علماء الطبيعة والكيمياء والأحياء وغيرها ـ الذين وصل بهم العلم التجريبي إلى الإقرار بوجود الله عز وجل.
فمن ذلك قول الدكتور «جون وليام كلونس»: «إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبر والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى.
ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده».
وقال الدكتور (توماس دافين باركس): «إنني أقرأ النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا أستطيع أن أسلم بأن يكون كل ذلك قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة، إن هذا التصميم يحتاج إلى مبدع ونحن نطلق على هذا المبدع اسم (الله)».
وقال العالم البيولوجي (لوكترسيل هامان): «إن نظرة واحدة إلى إحدى الخرائط التي تبين التفاعلات الدائرية العديدة وما يدور حول كل منها والآخر من متفاعلات أخرى كفيلة بأن تقنع الإنسان بأن مثل هذه العلاقات لا يمكن أن تتم بمحض المصادفة. ولعل هذا الميدان يهيئ للإنسان من العالم ما لا يهيئه أي ميدان آخر بأن الله يسير هذا الكون تبعًا لسنن رسمها ودبرها عندما خلق الحياة».
إن أقوال هؤلاء العلماء وعشرات غيرهم من العلماء الذين توصلوا بطريق العلوم التجريبية والكشوفات العلمية إلى الإقرار بوجود الخالق تدل دلالة قاطعة على استحالة الصدفة في إيجاد الكون(5).

* * *


حدوث الكائنات برهان قاطع


على وجود الخالق


إننا إذا تأملنا هذا الكون العظيم المحيط بنا ونظرنا في جزئياته التي لا تنفك تحدث شيئًا فشيئًا أدركنا أن لوجوده مبدأ.
إذن فلابد له من محدث لأنه يستحيل عقلاً أن يكون أحدث نفسه أو أن يكون حدث من غير محدث. كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: 35].
ومن البراهين العقلية على حدوث العالم أنه ليس أزليا، فهذه التغيرات التي تحدث في هذه الموجودات الكونية سواء منها الموجودات المادية المدركة بالحس أو الموجودات الأخرى الخارجة عن نطاق الإدراك الحسي والتي نستنتج وجودها ببرهان العقل فنلاحظ أن حوادث التغير لا تنفك عنها أبدًا، فما من شيء في هذا الكون الفسيح إلا ونلاحظ أنه في أوضاع من التغيرات الكثيرة بشكل مستمر.
فهذه التحاويل الكونية في المواد الكيميائية حوادث مستمرة وهذه الأعراض في الظواهر الفيزيائية في تغير مستمر... نرى في ذلك تحول البذور إلى أشجار وثمار ثم تحولها إلى رماد أو هشيم يتفتت ثم يتحول إلى عناصره الكيميائية والفيزيائية البسيطة أو المركبة.
ونرى ذلك في تحول الأغذية إلى دماء في الأحياء ثم إلى نطف ثم إلى أحياء أخرى لها وحدات مستقلة في صفاتها وأعراضها وخصائصها وأعمارها وطباعها إلى غير ذلك من التغيرات الكثيرة التي لا تتناهى استقصاء وحصرًا.
ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطريقة أعني طريقة الاستدلال بالتغير على الحدوث في آيات تنير الأفكار وتنبهها بطريق غير مباشر إلا أن فكرة (التغير) تتنافى مع فكرة الأزلية لأن التغير يتضمن حدوثًا متتابعًا ينبه إلى أن له بداية كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 75 ـ 79].
ولقد أيدت العلوم التجريبية الحديثة النظريات العقلية القائلة بحدوث هذا العالم فكشف عن قوانين هامة لا تدع للشك مجالاً في أن هذا العالم وجد بعد أن لم يكن وأن له محدثًا أحدثه هو الله سبحانه وتعالى ومن بين تلك القوانين القانون الثاني للحرارة الديناميكية ويسمى هذا القانون الطاقة المتاحة أو (ضابط التغير) وهذا القانون يثبت أن الطاقة في الكون تقل تدريجيا بصورة مطردة حيث تنتقل الحرارة فيه دائمًا من وجود حراري إلى وجود حراري أقل مع استحالة أن يحدث العكس فتزيد الطاقة المتاحة في الكون لأنها تنتقل من وجود إلى وجود أقل بصورة تدريجية مطردة(6).
لكن كيف يثبت هذا الكشف حدوث الكون المادي؟
القضية ببساطة هي أن هذا القانون يثبت أن الكون المادي لابد أن ينتهي إلى نوع من الخمود والفناء، يتوقف فيه نشاطه المعتاد وتختل الوظائف الطبيعية فيه وذلك حين تنفد الطاقة التي يفقدها تدريجيا بحكم استمرار العمليات الكيميائية والطبيعية فيه.
وهذا يثبت قطعًا وضرورة أن لهذا الكون بداية إذ لو كان أزليا لفقد طاقته من وقت بعيد جدًّا لأن الأزل لا نهاية له فمهما قدرت عظمة الطاقة فإنها تتلاشى في الأزل اللانهائي(7).

* * *


(3) البراهين العلمية على وجود الخالق من ص42 إلى ص46 ـ محمد فؤاد البرازي.
(4) المرجع: الإشارات والتنبيهات لابن سينا (ج1 / ص67).
(5) المصدر: الله يتجلى في عصر العلم (ص26) .
(6) العقيدة الإسلامية وأسسها للميداني (ج1 / ص136).
(7) تناقض المذاهب المادية فيما يتصل بقضية الألوهية ص23 للدكتور محمد بلتاجي.


مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    بعد الربيع العربي وتوابعه هل تحتاج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي إلى إعاده هيكلة وتقديم مشروعها بشكل أكثر تماسكا ووضوحا؟