الأخبار | 
الرئيسية كتب الإمامة العظمى
عدد القراء 12936

الفصل الأول


فى الحالة السياسية فى الجزيرة العربية قبل الإسلام


المبحث الأول


تقسيم سكان الجزيرة إلى بدو وحضر


لما كان موضوع بحثنا: «الإمامة الشرعية وصلاحيات الإمام ـ أي: رئيس الدولة ـ» كان لابد من بيان الحالة السياسية لسكان الجزيرة العربية قبل الإسلام.
ومن المعروف أن سكان الجزيرة العربية كانوا ولا يزالون منقسمين إلى قسمين كبيرين:

البدو والحضر:


البدو سكان الصحراء والحضر سكان المدن، وعماد حياة البدو الرعي وما اتصل به، بينما يعمل الحضر في التجارة أو الزراعة أو أنواع الصناعة، ويرتبط هذا التقسيم على حد كبير بالطبيعة الجغرافية للبلاد التي سكنها العرب، وبما لهذه الطبيعة من أثر في الحياة الفردية والجماعية للسكان القاطنين فيها.
وقد كان البدو يعيشون صراعًا دائمًا بينهم وبين قسوة البيئة التي وجدوا فيها نتيجة اضطرارهم الدائم إلى التنقل سعيا وراء الأمطار وخصوبة الأرض طلبًا لعيشهم ومرعى أغنامهم، وقد كان من نتائج هذا الأسلوب في حياة البدو أن تتجمع أفرادهم في وحدات قامت على أساس صلة الدم والنسب، وسميت هذه الوحدات بأسماء مختلفة يدل كل منها في الغالب على حجم الوحدة التي يطلق عليها، وقد كان من أكثر هذه الأسماء شيوعًا: العشيرة، والرهط، والقوم، والقبيلة، والحي.
وقد كان هذا الارتباط بين المنحدرين من أصل واحد ارتباطًا عضويا غريزيا دفع إليه الأفراد كأثر من آثار غريزة المحافظة على النوع، ولذلك تميز هذا الارتباط بميزتين:
أولاهما: أن كل إنسان غير منـتمٍ إلى هذا الأصل المشترك لأفراد العشيرة أو الرهط كان يعتبر عدوًّا لهم.
وثانيتهما: أن الجماعة رغم تماسكها الواضح لم تفقد الأفراد شعورهم بذواتهم وباستقلالهم الفردي.
وبعبارة أخرى: فإن مثل هذه المجتمعات ترتكز إلى دواعي الحاجة الغريزية أو الفطرة دون أن تعي ضرورات الحياة الاجتماعية ـ أي: دون أن يكون مبناها «الفكرة».

* * *


المبحث الثاني


الواقع السياسي للقبائل البدوية


في ظل هذا المجتمع المستند إلى غريزة البقاء، كان من الطبيعي ألاَّ يشكل انضواء الأفراد تحت لواء الجماعة مجتمعًا سياسيا، وأن تغيب تبعًا لذلك أية صورة للسلطة السياسية داخل هذه المجتمعات.
فالمجتمع السياسي يتميز أساسًا بوجود سلطة عُليا في الجماعة يخضع لها سائر الأفراد وما قد يوجد من تنظيمات خضوعًا كاملاً تـفرضه بالقوة إذا اقتضت الظروف ذلك ولم يكن لمثل هذه السلطة وجود في تجمعات البدو أو وحداتهم التي ينتمون إليها، بل كان الأفراد جميعًا يتساوون في الحقوق والواجبات مساواة جعلت من رئيس القبيلة أو شيخها أو من سيد الحي مجرد شخص ذي سلطة معنوية هدفها الحفاظ على الوحدة بين أبناء قبيلته أو عشيرته.
وقد ذهب بعض الباحثين في تاريخ العرب قبل الإسلام إلى أن القبيلة العربية عرفت نوعًا من التنظيم السياسي تمثل في حق رئيس القبيلة في إعلان الحرب على الأعداء، وفي منح الجوار لمن يطلبه، وفي تقرير طرد المخالفين لنظام القبيلة أو الخارجين على تقاليدها.
بل لقد قيل: إن رئيس القبيلة كان بمثابة ملك يدير مملكة رعاياها هم الأفراد المنتمون إلى القبيلة والذين يعتقدون بانحدارهم من أصل أو نسب مشترك، والواقع أنه إذا كان هذا الرأي يستجيب إلى مسلمة من مسلمات العلوم السياسية المعاصرة مؤداها: أن جوهر السياسة كان في الإنسان ذاته بحيث يعتبر الإنسان كائنًا سياسيا بطبعه، فإنه ـ أي: هذا الرأي ـ يتعارض تعارضًا واضحًا مع مُسَلمةٍ أخرى من مسلمات العلوم السياسية مؤداها: أنه لكي يعتبر مجتمع ما مجتمعاً سياسيا فإنه لابد من توفر عناصر أساسية معينة أهمها عنصران:
1 ـ التقيد الإقليمي: أي ارتباط الجماعة بإقليم معين ارتباطًا مفضيا إلى ظهور مفهوم الوطن بما يتبعه من شعور الأفراد بواجب المحافظة على الوطن والدفاع عنه.
2 ـ ظهور السلطة السياسية: التي تحتكم القوة الفعلية والشرعية (القانونية) في هذا المجتمع احتكارًا يمكنها من إقرار السلام والعمل على استمرار التقدم في المجتمع الذي تقوم فيه ـ.
وهذان العنصران لا يمكن الادعاء بتوافرهما في التجمعات البدوية في جزيرة العرب قبل الإسلام.

* * *


المبحث الثالث


الواقع السياسي لمجتمعات الحضر في مكة على وجه الخصوص


إذا كان هذا هو مجمل الحالة السياسية في المجتمعات البدوية في جزيرة العرب قبل الإسلام فكيف كانت الحالة السياسية في مجتمعات الحضر؟
الواقع أن حال الحضر ـ خاصة في الحجاز حيث ظهر الإسلام، وحيث انتشر ـ لم يكن أفضل من حال البدو من وجهة النظر السياسية، فرغم سكنى أهل الحجاز في مدن كبيرة نسبيا كمكة والطائف والمدينة ـ يثرب كما عرفت آنئذ ـ فإن العلاقات الفردية والاجتماعية كانت تحكمها في الغالب ذات القواعد التي تحكم العلاقات المماثلة لدى البدو، ولم تظهر في هذه المدن أو أي منها سلطة سياسية بالمعنى المعروف لهذه الكلمة إلى أن ظهر الإسلام ونشأت دولته في المدينة، وقد لا يحتاج هذا القول إلى أكثر من تقريره فيما يتعلق بالطائف ويثرب.
أما فيما يتعلق بمكة فلعلنا بحاجة إلى التفصيل لإثبات صحة ما ذهبنا إليه. والسر في ذلك: هو أن مكة بحكم تجمع القبائل في قريش فيها، وجوار بعضها لبعض، وبحكم اتصالها بالعالم الخارجي عن طريق الرحلات التجارية التي كان ينظمها تجارها مرتين في كل عام، وكذلك بسبب وجود الكعبة فيها ووفود الحجيج إليها في كل عام، بحكم ذلك كله عرفت مكة نوعًا من التنظيم الذي عهد بمقتضاه لبعض قبائل قريش أو بطونها ببعض المناصب على النحو التالي:

* * *


المبحث الرابع


مناصب قريش قبل الإسلام


السدانة والحجابة:


السادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام، وسدنة الكعبة: هم حجابها الذين يقومون على خدمتها ويتولون أمرها ويفتحون أبوابها ويغلقونها، وقد كانت السدانة والحجابة في مكة لبني عبد الدار بن قصي بن كلاب.

السقاية والعمارة:


والسقاية: هي تقديم الماء وبعض أنواع الشراب «وعلى الأخص: الزبيب المنبوذ بالماء» للحجيج، وقد كان أمر السقاية في الجاهلية وفي الإسلام إلى العباس بن عبد المطلب عم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
والثابت في التاريخ أن قريشًا كانت تجمع بين سقاية الماء وسقاية الشراب للحجاج في الجاهلية، أما سقاية الماء: فلندرته وحاجة الناس إليه، وأما الشراب: فإكرامًا لضيوف البيت الحرام.
أما العمارة: فلها في اللغة معان عديدة، وقد ورد في معناها في حق البيت الحرام: أنها منع الناس أن يتكلموا في المسجد الحرام بهجر أو رفث، أو أن يرفعوا أصواتهم، وقد كانت العمارة مع السقاية للعباس بن عبد المطلب.

الرِّفادة:


الرفادة: مال كانت تخرجه قريش في كل عام، فتدفعه إلى قصي بن كلاب ليصنع به طعامًا للحجيج فيأكل منه من ليس له سعة ولا زاد معه، وكان يستمر طيلة أيام منى حتى إذا انقضت أيام الحج انقطع طعام الرفادة وقفل الناس إلى بلادهم وقد كان أول من صنع الرفادة: قصي بن كلاب حين قال لقومه: يا معشر قريش! إنكم جيران اللَّه وأهل بيته وأهل الحرم وإن الحجاج ضيوف اللَّه وأهله وزوار بيته وهم أحق الناس بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا حتى يصدروا عنكم.
وحين بُعث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانت الرفادة لبني عبد مناف.
هذه هي أهم المناصب التي ثبت في تاريخ العرب ـ قبل الإسلام ـ وجودها لدى أهل مكة، وواضح من استعراضها أنها جميعًا مناصب دينية تجلب لصاحبها ذيوع الصيت، وحسن السمعة، والفخر بين قبائل العرب التي كانت جميعًا تقدس البيت الحرام وتحج إليه.
حتى إن القبائل في قريش تنازعت على تقسيم هذه المناصب وتوزيعها بينها قبل الإسلام، وكاد الأمر أن يفضي إلى الحرب بين القبائل المتنازعة.
أما أن تُعتبر هذه المناصب دليلاً على وجود تنظيم سياسي أو تعتبر في ذاتها مناصب تضفي على صاحبها سلطة سياسية كما ذهب بعض الباحثين، فذلك ما يبدو بعيدًا عن الصواب.
وإن كل ما يمكن لنا قوله: أنه كان في مكة ـ دون غيرها من مواطن القبائل العربية ـ نوع من التقاليد التي يحترمها أهلها في الغالب ويحترمها سائر الناس، وأن هذه التقاليد كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوجود الكعبة في مكة وبحج الناس إليها في كل عام، ولا يمكن أن ترقى هذه التقاليد إلى تشكيل نظام سياسي في مكة في تلك الفترة من تاريخها ـ أو أن يعتبر من وُلوا هذه المناصب أو بعضها أصحاب السلطة السياسية في مكة.

* * *


المبحث الخامس


مكة المكرمة لم تعرف نظامًا سياسيا قبل الإسلام


إن الواقع الذي يؤيده استقراء الحوادث التاريخية التي بين أيدينا عن تلك الفترة من التاريخ هو أن الحالة السياسية في مكة لم تكن تختلف كثيرًا عنها في مواطن بقية القبائل العربية الأخرى، فلم يكن هناك نظام سياسي.
ولم تعرف تلك القبائل سلطة سياسية على أي صورة من صور السلطة السياسية،وقد حاول بعض الباحثين أن يثبت أن أهل مكة عرفوا نوعًا من التنظيم السياسي قبل الإسلام مستدلاً على ذلك بأن بعض أهله قد عقدوا حلفًا اسمه «حلف الفضول» تعاقدوا فيه على أن ينصفوا المظلومين من الظالمين وأن ينصروا المستضعفين على الباغين.
ونحن نرى أن عقد حلف الفضول في حد ذاته يعتبر دليلاً كافيا على غياب أي سلطة سياسية عن المجتمع المكي قبل الإسلام، إذ لو وجدت هذه السلطة لما كان مكان لعقد مثل هذا الحلف الذي ضم خمسة فقط من قبائل قريش دون سائر القبائل، ولو وجدت سلطة سياسية لكان من أول مهامها الوقوف في وجه أبرهة الأشرم ولما هربت مكة إلى أعالي جبالها، وأخذ عبد المطلب يفاوض أبرهة في رد إبله.
ويدل كذلك على عدم وجود سلطة سياسية يخضع لها الجميع في مكة قصة تنازع القبائل عند إعادة بناء الكعبة حول إعادة وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة، بل إن القصة تعتبر دليلاً على أن السلطة الدينية المتعلقة بالكعبة ذاتها لم تكن سلطة يقبلها أو يخضع لها الجميع وإلا لانفرد أصحاب الحجابة أو العمارة «مثلاً» بتقرير حل هذا النـزاع، وإنما كانت القبيلة المسيطرة عليهم والتعصب للقبيلة هو الروح الموجِّه لتصرفاتهم ومواقفهم.

* * *


المبحث السادس


ممالك الجزيرة العربية قبل الإسلام


أما أطراف الجزيرة العربية وسواحلها، فقد عرفت فيها ممالك عاشت قرونًا طويلة، وحفظ التاريخ كثيرًا من حوادثها وتطورات الحكم فيها، وأوضح مثال لذلك مملكة سبأ التي قص القرآن طرفًا من قصتها في سورة النمل(1) وفيها بين القرآن الكريم كيف تمت مراسلة بين نبي اللَّه سليمان وملكة سبأ، انتهت بدخولها في دين سليمان وإسلامها للَّه رب العالمين.
بل تبين هذه الآيات كذلك أنه كان في هذه المملكة نظام الشورى تلتزم به الملكة، فيحكي القرآن عن قولها لأهل شوراها ﴿ مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ [النمل: 23].
وكذلك كان هناك دولة «حمير» بين سبأ والبحر الأحمر، ودولة «كنده» في حضرموت، ودولة «معين» التي امتد نفوذها إلى شمال الحجاز(2).
وكذلك ظهرت في بادية الشام وهي جزء من الجزيرة العربية ممالك متعددة منها: مملكة تدمر، ثم مملكة الغساسنة، وقد تحالف ملوكها مع الدولة البيزنطية التي كانت تعاني من غارات البدو، على أن يكفي الغساسنة هذه الدولة شر الغارات العربية عليها، وقد عرف الغساسنة بين قبائل العرب باسم (روم العرب) أو «العرب المتنصرة» لدخولهم في دين حلفائهم البيزنطيين وهو «النصرانية» وكانت بينهم وبين المناذرة حروب ومناوشات، كما أنهم وقفوا مع الروم ضد المسلمين، وشاركوا في قتالهم، ومع فتح الشام انتهت دولتهم.
غير أن هذه الأنظمة الملكية ـ وهي بلا شك أنظمة ذات طابع سياسي ـ لم يكن لها من أثر يذكر على عرب الحجاز حيث نشأ الإسلام، فكانت حياة العرب ـ حتى في مكة كما قدمنا ـ لا تعرف أي تنظيم سياسي بالمعنى المتعارف عليه للتنظيم السياسي إلى أن ظهر الإسلام وأنشأ الرسول صلى الله عليه وسلم دولته الأولى في المدينة، ولذلك تعد هذه الدولة بداية التاريخ الإسلامي، ويعتبر ما ظهر خلال وجودها من أفكار وآراء المصدر الأول الذي تـفرعت عنه الأفكار والنظريات السياسية الإسلامية(3) .

* * *


(1) الآيات (22 ـ 44).
(2) انظر: كتاب «تاريخ العرب قبل الإسلام» الدكتور أحمد الرحيم (ص:111).
(3) انظر: كتاب النظام السياسي للدولة الإسلامية للأستاذ محمد سليم العوا (ص:92) الطبعة الثالثة.

مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا