الأخبار | 
الرئيسية رسائل ومقالات
عدد القراء 6578

بسم الله الرحمن الرحيم


ملحق رقم 9


البيان الثلاثي في الرد على الهيئة وبيانها بشأن مذكرة النصيحة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء هيئة كبار العلماء، وفقهم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد اطلعنا مع شديد الأسف على البيان الذي أصدرتـه هيئة كبار العلماء بتاريخ 19/ 3/ 1413هـ، حول (مذكرة النصيحة)، ولقد رزئنا بصيغة هذا البيان، الذي صدر باسم أكبر هيئة علمية شرعية في هذه البلاد، التي تضم عددًا من الفقهاء وحملة العلم الشرعي، حيث ظهرت صياغة هذا البيان بصورة تشبه البيانات الإعلامية والأمنية، التي تفتقد النظرة الشرعية السديدة، وتتحرى الحق والبعد عن الظلم والتشهير واتهام النوايا، وتدقق في اختيار الألفاظ والمصطلحات الشرعية المنضبطة. ولنا على هذا البيان ملاحظات:

أولاً:

لقد صدر البيان في وقت تعاني منه أمة الإسلام أشد المعاناة من تسلط الأعداء في البوسنة والهرسك والصومال وكشمير والجزائر ومصر وتونس وغيره، دون أن يصدر عن الهيئة أي موقف معلن، يناصر قضاياهم، ويدافع عن حقوقهم. كما أن المنطقة تعاني من تسلط الكفار والنصارى عليها، وعبثهم بمقدساتها، وقيامهم بحياكة المؤامرات ضدها، حتى لو كره الحاكمون في المنطقة هذا الوجود، أو تجاوز صلاحياتهم، وتعدى على سيادتهم، ومع ذلك لم يصدر عن الهيئة أي موقف معلن في هذا، كما أن من المعلوم لدى الجميع أن العلمانيين والطائفيين والمبتدعة وأصناف المنحرفين، تتوالى خطاباتهم ومطالباتهم لأولي الأمر، وقد نشر بعضها في الخارج، ومع ذلك لم نسمع أنها أحيلت إليكم، ولا أنكم أصدرتم حولها أي بيان. فما هو سبب التغاضي عن أمثال هذه الكتابات؟ ولماذا التركيز على خطابات النصيحة، التي يكتبها العلماء والدعاة الغيورون على وحدة الأمة، والاعتصام بحبل الله المتين؟

ثانيًا:

اشتمل البيان على عدد من الاتهامات التي لم تبن على أساس صحيح، حيث نصَّ على: (وقد عمل معدوا هذه المذكرة بهذه الطريقة على ترويج أسباب الفرقة وزرع الضغائن واختلاق المقالب أو تجسيمها .. مما جعلها من أجل مكاسب الأعداء الحاقدين ..)، وهذه تهمة خطيرة تقدح في الفاعل، وتسيء إلى سمعته بين الناس، ونحن لا نملك إلا أن نبدي عجبنا: كيف تصبح نصيحة الولاة، التي هي الدين، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: «الدين النصيحة»، سببًا للفرقة وزرع الضغائن، حتى تكون من أجل مكاسب الأعداء؟ .. والواقع أن الفرقة والضغائن لا تكون إلا بغياب النصيحة، أو الوقوف في وجهها، والتشكيك في النصيحة وفي نوايا مسدديها، وترك المنكرات تشيع وتنتشر. وهذا ما يؤيده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… إن الله رضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا،وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، حيث قرن بين النصيحة والوحدة وعدم الفرقة، وجعل النصيحة لازمة من لوازم عدم الفرقة والاعتصام بحبل الله، وذلك من أجل مكاسب الأمة ووحدتها.

ثالثًا:

حذر البيان من الجور والبغي و غمط الحق، ونحسب أن البيان قد وقع فيما حذر منه، حيث غمط حق الموقعين، ,أثار كثيرًا من اللبس حولهم، حتى إن بعض الفضلاء قد تورط في النيل من أعراض الموقعين، وأخرجهم من الإسلام، جهلاً بأشخاص الموقعين، واعتمادًا على بيان الهيئة، الذي وصف الموقعين بأنهم (عدد من المدرسين والمنتسبين للعلم)، رغم أن فيهم علماء أجلاء، تصدر الأمة عن فتواهم في الحلال والحرام، وتجمع على جلالتهم وفضلهم، وتثق بعلمهم ودينهم، وبعض أقران لكبار العلماء، والبعض الآخر مشائخ وأساتذة لعدد من أعضاء الهيئة، كما أن عددًا كبيرًا من الموقعين من أساتذة الجامعات والمفكرين والدعاة وذووي الرأي في الأمة.

رابعًا:

نص البيان على أن النصيحة: (.. تشتمل على عشرة بنود، وقد ادعى معدو المذكرة أن واقع البلاد على ما وصفوه في مذكرتهم، واقترحوا ما سموه سبيل الإصلاح لها ..)، ولم يذكر البيان اشتمالها على تأصيل شرعي من نصوص الكتاب والسنة، يبني منهاج الإسلام، ونحن نتساءل: لمَ أغفل البيان هذا الجانب الذي يُعتبر أهم جوانب المذكرة؟ الأمر الذي أدى ببعض الناس إلى الشك في كونها منشورًا يقف خلفه بعض الجهات المنحرفة والمشبوهة، ويشكك في دينهم وعقيدتهم.

خامسًا:

اتهم البيان نوايا ومقاصد الناصحين، وجعلهم بين رجلين: إما سيئ القصد أو جاهل مغرر به، ولم يترك احتمالاً ثالثًا لناصح مخلص غيور بصير بالحال .. وإن من أبسط مبادئ القضاء، أن لا يحكم على السرائر ونوايا القلوب، التي لا يطلع عليها إلا الله وحده عز وجل. أما دعوى الجهل بالواقع، فنحن نتساءل هنا عن واقع الجيش -الذي هو من أهم بنود المذكرة- حيث وصفته المذكرة بضعف الإمكانات وقلة العدد، الذي تبني في أزمة الخليج، فهل يرى العلماء خلاف ذلك؟ وهم الذين أفتوا بجواز الاستعانة بالقوات الكافرة، التي بلغ عدد الأمريكان وحدهم 540 ألف جندي، فإن كان واقع الجيش كما ذكرته المذكرة، فكيف يتهم الموقعون بالجهل بالواقع والتغرير بهم؟ وإن كان غير ذلك، فكيف تصدر عنكم الفتوى بجواز الاستعانة بهذه القوى؟

سادسًا:

أدان البيان نشرة المذكرة، بصيغة تشعر بأن الموقعين هم الذين يقفون وراء النشر، وهم مسئولون عنه، والواقع أن الموقعين ليسوا مسئولين عن هذا النشر، وأن أبسط مبادئ القضاء والتحقق من الفاعل الحقيقي، وإصدار الأحكام بناء على وقائع صحيحة، وبيانات مقبولة، ونحن نعتقد أن خلف هذا النشر جهات مشبوهة، لا تريد الخير لهذا البلد، ويسوؤها التمكين لهذا الدين ودعاته وأحكامه في هذا البلد، وأن يقر فيها مبدأ التناصح بين الراعي والرعية، ولذلك اختار هؤلاء واحدة من الصحف الساقطة، التي يترفع الناصحون المخلصون عن التعامل معها، ومما يدل على سقوطها وسقوط الجهة التي سربت المذكرة إليها، زعمها بأن الشيخ عبد العزيز بن باز قد زكى المذكرة ورفعها لولي الأمر، وكذلك اختيارها لعناوين مثيرة لم ترد في المذكرة، وإسقاطها لأهم جزء في المذكرة، وهو جانب التأصيل الشرعي.

سابعًا:

وقع البيان في ما لا يتوقع أن يصدر من هيئة علمية في مقام هيئة كبار العلماء، حيث ذكر ما نصه: (والمجلس إذ يستنكر هذا العمل، المتمثل بإعداد هذه المذكرة المسماة (مذكرة النصيحة)، ونشرها يؤكد أن هذا العمل عمل مخالف لمنهج النصيحة الشرعية..)، وإن من المستغرب أن يصدر من هيئة كبار العلماء ما يفهم منه أنها تدين مبدأ النصيحة، الذي دلّت عليه النصوص القطعية من الكتاب والسنة.

ثامنًا:

اتهم البيان الموقعين بوجود ارتباطات فكرية منحرفة، والتزام بمبادئ جماعات وأحزاب أجنبية، ونحن لا يمكننا إلا أن نعلن احتجاجنا الشديد على هذا الوصف الظالم، ونحن نطالب بحقنا الشرعي في إثبات هذه التهمة الخطيرة ونحتفظ بحقنا الشرعي في التقاضي إذا لزم الأمر.

تاسعًا:

دان البيان نشر المذكرة -الذي لا يد للموقعين فيه- وغفل أن نشر هذا البيان في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، باللغتين العربية والإنجليزية، قد روّج لهذه المذكرة، وحدا بعامة الناس للبحث عنها والتنبيه في الاطلاع عليها، وهذا مما يدل على ما ورد في المذكرة من تخبط السياسة الإعلامية.

وختامًا ..

وبعد أن بينا ملاحظاتنا الشرعية، فإننا لا نزال نثق في أن علماءنا من هم من أهل الورع والتقوى، والرجوع إلى الحق متى ما ظهر والحرص على رفع الظلم والتهم، ورد الاعتبار إلى المخلصين الناصحين، الذين قال سبحانه وتعالى في حقهم: ﴿ ما على المحسنين من سبيل، ولهم في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، حيث أمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قاضيه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، في رسالته المشهورة، بأن لا يمنعه قضاء قضاه بالأمس ثم رأى اليوم خيرًا منه أن يرجع عن قضائه.
والأمة جميعًا تترقى من علمائها وقفة صدق ونصيحة لله ولرسوله، وهم إن شاء الله عند ظن الأمة بهم. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

حمود بن عبد الله بن عقلاء الشعيـبي
أستاذ الفقه في كلية الشريعة بالقصيم


عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
عضو الإفتاء


عبد الله بن سليمان المسعري
رئيس ديوان المظالم سابقًا في رئاسة البحوث العلمية


مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا