الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 1360

الرابطة الإسلامية

قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مثَل المؤمنين في تراحُمهم وتعاطُفهم وتواددهم كمثَل الجسَد الواحد، إذا اشتكى منه عُضوٌ تداعى[1] له سائر الجسد بالسهَر والحُمَّى»[2].

إنَّ هذا الحديث الشريف يُؤكِّد أنَّ الدِّين الإسلامي الحنيف هو الرابطة الوحيدة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم، وتباعُد أقطارهم وبلادهم، فهو الذي يجعل جميع الأمم الإسلامية كمجتمع واحد وأسرة واحدة، تكون قوة متكتلة متكاملة كالجسد الواحد.

وكذلك فقد ربَط الإسلام المسلمين فيما بينهم كربط كلِّ عُضو من أعضاء البدَن بالآخر، إذا تألَّم جزء منه تألَّم كله، ولا يستقيم تمامًا إلا بالفلاح الذي يرد له العافية مما أصابه، وبتركه فالمرض يسري ويستفحل شرُّه، فكذلك الأسرة الإسلاميَّة في جسدِها الممتد في مشارق الأرض ومغاربها، يجب عليها رعاية هذا الجسَد، والعمل على وقايته من الأمراض الحسيَّة والمعنويَّة، وصيانته مِن كلِّ نائبة، والدفاع عن كل جزء منه، بل الصولة الصحيحة دون حماه؛ ليكون مرهوبَ الجانب، وأن يتكاتَف المسلمون المؤمنون جميعًا على تحقيق هذه الوحدة المؤكدة في وحي الله، والتي يكررون الضراعة إلى الله بمُقتضاها في كل تلاوة للفاتحة، وفي كل ركعة من الصلاة أيضًا، وأن يقضوا على كل مظاهر الفرقة، ويجتثوا جذورها، وأن يحاربوا جميع التيارات المناوئة لهذا الدين بعقيدته الوحدوية، محاربةً علميَّة دقيقة شاملة؛ لأنَّ تلك التيَّارات غزَت الأدمغة باسم العلم والفن، فمُقابلتُها بغيره شطط لا يُجدي نفْعًا.

فلا بُدَّ مِنْ تكريس جهودهم لمقاوَمة المذاهب الفكريَّة مُقاومة علمية عميقة، ونقدها نقدًا مفندًا دامغًا، وأن يقابلوا كل مؤسسة بمثلها مما يعارضها وينقضها، فيقابلوا المدرسة بمدرسة، والجامعة بجامعة، ودور التربية والحضانة بمثلها، والمعاهد والمجامع العلميَّة الماديَّة بما يقابلها من المعاهد الإسلامية، ومعاهد التربية الحديثة المادية بمعاهد تربية روحية تفوقها، ويقابلوا النوادي الثقافية والرِّياضيَّة الناشفة من الدين بنوادٍ أخرى مشبعة بروح الدين، ويقابلوا المكتبات المادية أو المكتبات المؤسس بعضُها أو أكثرها لخدمة المذاهب الفكرية والمبادئ العصبية الجاهلية المجددة، بمكتبات تخدم العقيدة الإسلامية، وترويج كتبها بأحدث وسيلة وأرخص ثمن، ويقابلوا الصُّحُف الماديَّة والمغرضة بصحف دينية، فيها تركيز العقيدة وكشْف الباطل، وإظهار عوْرات أهلِه، ويقابلوا الإذاعات المُغْرضة وسائر الإعلام من القصص والمجلات وأشرطة الأفلام وغيرها، بإذاعات ووسائل إعلاميَّة أخرى تُوَجِّه الناس إلى الحق، وتضْبط عقولهم وأوقاتهم، وتحفظها مِنْ سرقة شياطين الإنس واختطافها.

وهكذا؛ فليقابلوا كل وسيلة هدْم بوسيلة بناء، ويرخصوا أنفسهم وأموالهم في سبيل ذلك، ويحتفوا بولاة أُمورهم، ويُساندوهم ويَتَعاونوا معهم، ويتركوا المواقف الانْعِزاليَّة، والحالات الانْهزاميَّة، فلا يتلبَّسوا بها أبدًا؛ ليكونوا من الصادقين مع الله، ويجب ذلك ويتعيَّن بصفة حتمية على ولاة أمور المسلمين من المَلِك الكبير إلى الموظف الصغير؛ لينتشلوا جسد هذه الأمة الذي تداعتْ عليه عصابات الضلال من كلِّ ناحية بشتى أنواع الإثم والعدوان، وبجميع أنواع الغزو الفكري والعسكري، والحروب الباردة والكاوية، والتي تلتقي فيها جميع المعسكرات على حَرْب الإسلام، وتحطيم جسمه حسب ما خططته لهم اليهوديَّة الصِّهيونيَّة على أيدي الماسونيين[3] وعملائهم وكسبهم من المنصبغين بدعايتهم، والمتلطخين برجسهم، والذين كانوا لهم عَوْنًا، بل كانوا أشد على الإسلام منهم؛ لتنديدهم بالإسلام، وتشْهيرهم بالمسلمين، أو مناصرتهم لأعداء الله وأعداء المسلمين باسم القومية، أو بدعوى النفعيَّة، مما جعلهم يستفزون قصار النظر ضدهم بسبب المواقف التي خذلوهم بها.

وقد عملت الماسونيَّة اليهوديَّة على إبراز هذا الداء الدوي في جسم الأمة الإسلامية لهذا الغرض، كما قامتْ مِن قبلُ بإشغال الملوك والسلاطين بأنواع الفتَن وألوان المطامِع والأهداف الأنانيَّة عن نجدة مَن يستحق النجدة، كما حصل للسلطان التركي الذي قصر همته على احتلال مصر في وقت تكالُب الصليبيين على الأندلس، ولم يعبأ بنصرة أهله وانتشالهم مِنْ مخالب الأعداء، على الرغم مِن استنجاد الملك به، ولو قدم نصرة لمسلمي الأندلس وانتشال بلادهم، لظفر بالجميع وحصل له أكثر من مراده، وكان عزة الدهر ومفخرة التاريخ، وكانت نجدته أعظم نفعًا للمسلمين، وأشد قمعًا للكفار من نجدة المعتصم للسمتنجدة به القائلة: (وامعتصماه!).

وما أحوجَ المسلمين اليوم في كل مكان إلى أمثال (معتصم) ينجدهم ممن يتجنَّى عليهم، ويقسرهم قسرًا على ترْك دينهم بشتى أنواع التنكيل، والتضييق عليهم بالمعيشة حتى في حرْمانهم من الاكتساب، والعمل على إبادتهم بما يختلقه من الأكاذيب، وإن الذي يقوم بنجدة المسلمين ويتبنى قضاياهم، ويكون صاعقة على أعدائهم، سيحتل مكانة عظيمة فريدة في هذه المعمورة، وتكسب حكومته التي تقوم بذلك أعظم وأكبر ثقة، وتكون معقد آمال المسلمين - بإذن الله - ومهجرهم ومحط رحالهم، ويجعل الله لها رهبة في قلوب العالم، فينصرها بالرعب[4] الذي جعله نصرة لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - وللصادقين من خلفائه إلى يوم القيامة.

وهذه الرابطة الإسلاميَّة هي التي تدلُّ عليها نصوص الوحي ومُقتضياته من كتاب وسنة، وليس في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] فقط، بل في نُصُوص كثيرة، فقد أكثر القرآن إطلاق النفس بصيغة الجمع مريدًا الأخ؛ تنبيهًا منه - تبارك وتعالى - على أنَّ رابطة الإسلام تجعل المسلم أخًا للمسلم كنفسه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وقوله: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: 84]؛ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا تقتلوا إخوانكم، ولا تخرجوهم.

وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: 11]؛ أي: إخوانكم.

وقوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12]؛ أي: بإخوانهم.

وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]؛ أي: لا يأكل أحد مال أخيه.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يسلمه، التقوى ها هنا - يشير إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»[5]، وقال أيضًا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن مثل ما يحبه لنفسه»[6]، كما هو نص الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن حسين المعلم، وكلاهما صحيحان متفق عليهما من رواية قتادة.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا»[7]، وقوله: «ما مِن مُؤمن نصر مؤمنًا في يوم يحب فيه نصرته، إلا نصره الله في يوم يحب فيه نصرته، وما من مؤمن خذل مؤمنًا في يوم يحب نصرته، إلا خذله الله في يوم يحب فيه نصْرته»[8].

والنُّصوص في ذلك كثيرة مشهورة، وقد قدمت طرفًا صالحًا مما يجب على عباد الله المسلمين المؤمنين نحو بعضهم البعض، وذلك من خلال ما سبق من أحاديث قبل هذا الموضوع، وفي خلال تلك ذكرت أن العابد لله لا يترك أخاه المؤمن عُرضة للأحداث، وفريسة للظلمة؛ هذا يعضه، وهذا يفتنه أو يفنيه، وأن العابد لله يُدخِل السرور في بيوت المسلمين، ويذب عنهم كل نائبة، ويحمي ذمارهم، فلْيَرجع إلى تلك الوجوه مَن طلبَ الزيادة.

والحاصلُ أنَّ الرابطة الحقيقيَّة والدعامة الصالحة الثابتة، هي رابطة الدين ودعامته، وأن النداء بأي رابطة غير الإسلام من الروابط القوميَّة والمذاهب المادية، ممنوعٌ بإجماع المسلمين، ولا يجوز قطعًا، بل هو إما أن يكون معصية كبيرة، وإثمًا عظيمًا، أو يكون شركًا مُخلاًّ بأصل العقيدة، ومضادًّا لها، كما أوْضَحْناه سابقًا، ونزيد هنا إيضاحًا: أما كونه معصية وإثمًا عظيمًا؛ فإنه مخالفة للأمر، وارتكاب للنهي، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منَّا مَن دعا إلى عصبيَّة»[9].

وقال في حديث جابر الذي رواه البخاري وغيره: «دعُوها؛ فإنها منتنة»[10].

فقوله: «دعوها» أمر بترْكها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق، كما قرَّره الأصوليون؛ لأنَّ الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، ولأنَّ الله اعتبر إبليس عاصيًا بمخالفة أمرٍ واحد، فأبعده مِن ملكوت السموات، ولعنَه بالطرْد من رحمته.

وَمَن تأمَّل في واقع كلِّ أمة إسلامية عتتْ عن أمر ربها ورسله، ونادتْ بالقومية ونحوها من المبادئ العصبية والمادية، وجدها تتخبط في صنوف الفتنة، وعذاب الشقاق والأزمات المتلاحقة؛ نتيجة الحرمان من رحمة الله، ووجدوا طواغيتهم الذين تبنوها سياسيًّا وفلسفيًّا قد حاق بهم الرجم الحسي والمعنوي، الذي هو نصيب الشياطين المبتعدين عن أمر الله وصراطه المستقيم.

وإذا كان الأمر المطلق للوجوب وعقلاً، فقد أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأمر والنهي بقوله: «فإنها منتنة»، وحسبك بالنتن موجبًا للابتعاد التام؛ لدلالته على الخبث البالغ المضر في العاقبة، فدلَّ هذا الحديث الصحيح على مُخالفة النداء بالقومية ونحوها، لأمر الله على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأنَّ صاحبه متعاطٍ للنتن الخبيث، والله - جل وعلا -يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: 26].

ويقول تعالى في وصف نبيه - عليه الصلاة والسلام -: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]، لا سيما وقد تبرأ مِن ذوي العصبيات، ونفى حكم الشهادة عن المقتول في سبيلها بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية، فليس مني ولست منه»[11].

وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»[12]، وهذا حصر لمدلول الشهادة على ذلك، ولا سيما وقد ورد جوابًا على أسئلة الصحابة عن الرجل الذي يقاتل شجاعة أو حمية عصبيَّة، فأجابَهم بذلك.

وورد عنه - صلى الله عليه وسلم - في أصح الأحاديث أنه قال: «أبغض الخلق إلى الله ثلاثة: مُلحد في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنةَ الجاهلية، ومطلب دم امرئ مسلم بغير حق ليهريق دمه»[13].

والإلحاد: هو الميلُ عنْ دين الحق بأي صورة، وسنن الجاهلية كثيرةٌ قد تبلغ المئات، منها ما يتعلق بالأصول كدعوى القومية والوطنية، والحب والبغض لغير الله، والموالاة والمعاداة في غير سبيله، بل في سبيل العصبيات والمنافع والمصالح، ورفض الحكم بما أنزل الله، والحكم بغيره، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو عكسهما، والانصراف عن الله إلى غيره بأي حال منَ الأحوال، وتقديس الأشخاص والمذاهب والمبادئ، والغضب لهم دون الغَضَب لله.

وهذا كله وأضعافه متَحَقِّق الوقوع ومجهور به في عالم القوميات كلها، ومنها ما يتعلق بالفروع، كالتبرُّج ونحوه، وأكل الرِّبا والميتة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أتى بلفْظ التعميم الشامل للجميع.

وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أبغضُ الخلق إلى الله»، دليل قاطع على أن المتلبس بشيء من هذه الصفات هو أبغض إلى الله من الكلاب والخنازير والقرود والجرذان وكل خبيث؛ لأن أفصح الناس وأنصحهم - صلى الله عليه وسلم - لَم يقل: «أبغض الناس»، فيكون المتلبس بها أبغض الآدميين إلى الله، وإنما قال: «أبغض الخلق»، فيقتضي الأول - والعياذ بالله.

ومما يدلُّ على التحريم الشديد للعصبيَّات القوميَّة والمذهبيَّة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس منَّا مَن ضرَب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية»[14]، وهذا تصريح منه - صلى الله عليه وسلم - بالبراءة منه.

وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضًا: «ومَن دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جُثَى[15] جهنم، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم»[16].

وقال أيضًا - صلوات الله وسلامه عليه -: «مَن تعزَّى عليكم بعزاء الجاهلية فأَعِضّوه بِهَنِ أبيه[17]، ولا تَكْنُوا»[18].

وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي، وابن ماجه، والضياء المقدسي، والطبراني في الكبير، كلهم بالإسناد إلى أبي بن كعب - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

قال في "أضواء البيان": فانظر كيف سمّى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك النداء (عزاء الجاهلية)، وأمر أن يقال للداعي به: (اعضض على هن أبيك)؛ أي: فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية، فهذا يدلُّ على شِدَّة قُبح هذا النِّداء، وشدة بُغض النبي - صلى الله عليه وسلم - له.

واعلم أنَّ رُؤساء الدُّعاة إلى نحو هذه القوميَّة العربيَّة: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة - إلى أنْ قال -: واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفًا - في منْع النداء برابطة غير الإسلام، كالقوميات والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام، ورفض الرابطة السماوية.. إلى آخر ما قاله[19].

وأما كونها قد تكون شركًا مُناقضة لِملَّة إبراهيم، ومُصادمة لأصْل التوحيد فيما قرره بعضهم أو كلهم في فلسفة قوميتهم وأصولها: من أن النصراني ونحوه إذا كان عربيًّا أفضل وأولى بالنصرة والمؤاخاة من مسلم غير عربي، وقد جرَّتْهم هذه القاعدة إلى التخَلِّي عن قضايا المسلمين في كل مكان، ولا سيما في الهند، وكشمير، والزنجبار، ونيجيريا، وقبرص، وغيرها، ولَم يكفهم مجرد التخلِّي؛ بل عكسوا الأمر، فساعدوا خُصومهم من النصارى والمجوس والوثنيين، ووقفوا إلى جانبهم، وهذا أقوى أنواع الموالاة التي نهى الله عما هو أقل منها في القرآن، وأجرى مواليهم مجراهم؛ ففي أول سورة الممتحنة سبع آيات افْتَتَحَها الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1].

فنهى عن الإلقاء إليهم بالموَدَّة؛ إشعارًا منه بطريق الأوْلَى على النهي عن مؤازرتهم، فضلاً عن مساعدتهم على المسلمين، فهذا كُفر، كما نصَّتْ عليه آيات سورتي المائدة والتوبة.

ثم أمرنا بعد ذلك باتِّباع ملة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام[20] - والاقتداء به في مُنابذته للكفرة من قومه، وهذا يهدم أفكار القوميين من أساسها، ثم رخص في البر لِمن لم يعادِنا في الدين ويوالِ المعادين، أو يظاهرهم على إخراجنا من أي بلد.

ومعروفٌ مواقف النصارى ونحوهم من مُساندة الصهاينة ضدنا في فِلَسْطين، وتشجيعهم على الاحتلال في كل بقعة تكون الأغلبية لهم، وقومنا يعكسون الأمر، فيستدلون بالآية الثامنة التي فيها مجرد البر للمسالم منهم على موالاتهم وتفْضيلهم على المسلمين الأعاجم، ويَعْمَون عن الآيات السبع قبلها؛ لأنها تعكس مقاصدهم، وترغم أُنوفهم، وقد قال - جل وعلا -: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22].

فالآياتُ كثيرةٌ في المنْع الشديد عنْ حبِّ الكافر، أو موالاته، ولو كان أقرب قريب، ولكن القوم يقلبون الحقائق، ويلبسون على مستمعيهم باعْتِراف بعض الحكومات المحسوبة على الإسلام بدولة الصهاينة، وهؤلاء حكومتهم علمانية مثلهم، لا مسلمة كشعوبهم، فما ذنب الشعب المسلم إذا ابتُلِيَ بحكومة علمانية أبرزها المكرُ والعهر السياسي المنبثق من المعسكرين؟

هذا مِن أظلم الظلم، ولكن الله فَضَحَهُم بمساندتهم حكومات كافرة معترفة بدولة العصابات الصهيونية على المسلمين الذين لم يعترفوا بإسرائيل؛ كموقفهم من (نيجيريا، وقبرص، وباكستان)، ومُناصرتهم للوثنيين والنصارى حتى من غير العرب، كالهند المعترفة بإسرائيل، والتي جعلتْ بلادها مسْرحًا لها، وليس هذا موضع بسْط أحوالهم ومتناقضاتهم، فله مكان آخر، ولكن اضطررنا لذِكْرِه استِطرادًا لبيان مناقضة مدلول الشهادتين، وهدم الملة الخبيثة بتفضيل الكافر وتأييده على المسلم، ومِن مناقضة فكرة القوميَّات لأصْل الدِّين، وسعْيهم الدائب إلى تأسيس دولة علمانيَّة، تسْمح لكلِّ مُفترٍ على الله أن يجهرَ بفِرْيته ويدعو لها، وتكبت المسلم عنْ مُقاومتها بحُجة الطائفية، وهذا إعلاء لكلمة الكُفر بشتَّى أنواعها، وخَفْض لكلمة الله، خِلافًا لِمقصود الله مِن إرسال الرُّسُل ومشْروعية الجهاد، والأمر بالمعروف والنَّهْي عن المنكر، ولا يخفى أنَّ أسلافنا إنما فتحوا البلاد، ومصَّروا الأمصار باسم الإسلام ورابطته الدينية، لا بأيِّ رابطة قوميَّة أو ماديَّة مما بثَّه اليهود، وتبنَّاه تلاميذ الماسونية.

[1] تداعى: من تداعى البناء إذا تبع بعضه بعضًا في الانهدام، كأن أجزاءه قد دعا بعضها بعضًا.

[2] أخرجه البخاري: (10/ 366) في الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، ومسلم برقم (2586) في البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم، ولمسلم: «المسلمون كرجل واحد، إذا اشتكى عينه اشتكى كله، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله»، وكلاهما من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما.

[3] الماسونية: منظمة يهودية سرية إرهابية مُحكمة التنظيم، كانت تسمى في عهد التأسيس: "القوة الخفية"، ومنذ بضعة قرون تسمت بالماسونية، وهي تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعو إلى الإلحاد وتقويض الأديان، كما تدعو إلى الإباحية، وتستعمل المرأة والجنس والرشوة كوسيلة مع الجميع، وخاصة ذوي المناصب الحسَّاسة لضمِّهم لخدمة الماسونيَّة، والغاية عندهم تسوغ الوسيلة، ولها عصابات إرهابية لتنفيذ العمليات الإجرامية للتخلُّص ممن يقف في طريقها، ولها نفوذ واسع في العالم من الزعماء والمفكرين الذين اصطادتهم، فأصبحوا كالدمَى في يدها خوفًا على أنفسهم وعلى كراسيهم، وقد كانت الماسونية وراء معظم الويلات التي أصابت العالم، وبخاصة الأمة الإسلامية؛ فهي وراء إلغاء الخلافة الإسلامية وعزل السلطان عبدالحميد، كما كانوا وراء الثورة الفرنسيَّة والبلشفية والبريطانية، وهم الآن يسيطرون على معظم المنظمات الدولية كالجمعيات، والنوادي الشبابيَّة، والمؤسسات العسكريَّة، وهي من أعظم المُؤَسَّسات ثراءً في العالم - قاتَلَهُم الله.

[4] (فينصرها بالرعب)؛ أي: بالفزَع والخوف، وذلك من فضائل ومناقب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته من بعده؛ حيث إنَّ أعداء النبي - عليه الصلاة والسلام - قد أوقع في قلوبهم الفزع والخوف، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر، هابوه وفزعوا منه، فلا يقدمون على لقائه، كما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أعطيت خمسًا لَم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرُّعب على العدوِّ بين يدي مسيرة شهر... إلخ» الحديث.

هذا، ولا بُد من الإشارة إلى أن قذف الرُّعْب في قلوب أعداء المسلمين بسبب الاعتصام بكتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتزام شرائع الإسلام في كل صغيرة وكبيرة، ولكن إذا تخلت الأمةُ عن هذه الأسباب، فإنَّ الله تعالى سينزع المهابة من صدور الأعداء، ويقذف في قلوب الأمة الوهن، الذي يتمثل في حُبِّ الدنيا وكراهية الموت، وللأسف الشديد، فإنَّ هذا ما حصل لأمتنا اليوم، فهي الآن أشد ما تعاني من الذل والهوان، والانهزام الداخلي؛ حيث تكون عند الأمة قابلية الاستذلال والخضوع لأي طاغوت من طواغيت الأرض؛ بسبب بعدها عن منهج الله - والله المستعان.

[5] أخرجه البخاري: (7/ 88) في الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسُد والتدابر، ومسلم برقم: (2564) في البر والصلة، باب: تحريم الظن والتجسُّس، ومالك في "الموطأ"، (2/ 907)، وأحمد في "المسند"، (2/ 277) وأبو داود: برقم (4882) في الأدب، باب: في الغيبة، والتِّرمذي برقم: (1928) في البر والصلة، باب: ما جاء في شفقة المسلم على المسلم.

[6] أخرجه البخاري: (1/ 56) في الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم برقم: (45) في الإيمان، باب: الدليل على أنَّ مِن خصال الإيمان أن يحبَّ لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، وأحمد في "المسند"، (3/ 176)، والترمذي برقم: (2517) في صفة القيامة، والنسائي: (8/ 115) في الإيمان، باب: علامة الإيمان، قال الحافظ ابن حجر في الفتح معلِّقًا على الحديث (1/ 57): "والمراد بالنفْي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم كقولهم: فلان ليس بإنسان، فإن قيل: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملاً؟ وإن لَم يأتِ ببقية الأركان، أجيب بأن هذا ورد مورد المبالغة، ويُستفاد مِنْ قوله: ((لأخيه المسلم)) ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرَّح ابن حبان في رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد ولفظه: ((لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان))، ومعنى الحقيقة هنا الكمال؛ ضرورةَ أن مَن لَم يتَّصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا؛ ا. هـ.

[7] لم أجده بلفظ: ((المسلم للمسلم))، كما ذَكَره الشيخ - رحمه الله - وإنما بلفظ: ((المؤمن للمؤمن))، الحديث أخرجه البخاري: (5/ 71) في المظالم، باب: نصرة المظلوم، ومسلم برقم: (2585) في البر والصلة، باب: تراحم المؤمنين وتعاطُفهم، وأحمد في "المسند"، (4/ 404)، والتِّرمذي برقم: (1929) في البر والصلة، باب: ما جاء في شفقة المسلم على المسلم.

[8] أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، (4/ 30)، وأبو داود برقم: (4884) في الأدب، باب: مَن ردَّ عنْ مُسلم غيبة، وفي سند الحديث يحيى بن سليم بن زيد: مجْهول، كما في "التقريب" برقم: (7562)، وفيه أيضًا إسماعيل بن بشير الأنصاري: مجهول أيضًا، كما في "التقريب" برقم: (427)، فالسند ضعيف، ولكن للحديث شواهد بمعناه ذكر بعضها المؤلف قبل هذا، فيرتقي بها لدرجة الحسن لغيره، والله أعلم.

[9] أخرجه أبو داود برقم: (5121) في الأدب، باب: في العصبية، من حديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه - وسند الحديث ضعيف، ولكن يشهد له حديث جندب بن عبدالله عند مسلم: «مَن قُتل تحت راية عمية يدعو عصبية، أو ينصر عصبية، فقتلةٌ جاهلية»؛ مسلم برقم: (1850). فالحديث يرتقي بهذا إلى درجة الحسن.

ومعنى العصبيَّة: الحماية والمدافعة عن الإنسان الذي يلزمك أمره، أو تلتزمه لغرض.

[10] (المنتنة): المنتن: معروف، وأراد به هنا دعوى الجاهلية الخبيثة من المناداة بالعصَبيَّة والقوميَّة، وما شابه ذلك منهي من الكلمات القبيحة الرديئة في الشرع.

والعبارة هنا جزء من حديث طويل أخرجه البخاري: (6/ 398) في الأنبياء، باب: في دعوى الجاهلية، وفي تفسير سورة المنافقون، ومسلم برقم: (2584) في البر والصلة، باب: انصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، والترمذي برقم: (2312) في تفسير سورة المنافقون.

[11] جزء من حديث أخرجه مسلم برقم: (1848) في الإمارة، باب: وجوب لزوم جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، والنسائي: (7/ 133) في تحريم الدم، باب: التغليظ فيمن قاتل تحت راية عصبية، وابن ماجه برقم: (3948) في الفتن، باب: العصبية، وعند الجميع من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه.

هذا، والشيخ - رحمه الله - أخذ أجزاء من منتصف الحديث وآخره، والتي هي موضع الشاهد عنده.

[12] عجز حديث أخرجه البخاري: (6/ 21) في الجهاد، باب: مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ومسلم برقم: (1904) في الإمارة، باب: مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وأبو داود برقم: (2517) في الجهاد، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، والترمذي برقم: (1646) في فضائل الجهاد، باب: فيمن يقاتل رياء وللدنيا، وابن ماجه برقم: (2783) في الجهاد، باب: النية في القتال، والنسائي: (6/ 23) في الجهاد، باب: مَن قاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العليا.

[13] أخرجه البخاري: (12/ 185) في الديات، باب: مَن طلب دم امرئ بغير حق.

[14] أخرجه البخاري: (3/ 133) في الجنائز، باب: ليس منا من ضرب الخدود، ومسلم في الإيمان برقم: (103) في الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، والترمذي برقم: (999) في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب، والنسائي: (4/ 20) في الجنائز، باب: ضرب الخدود.

[15] جثى جهنم: جمع جثوة بالضم، وهي الشيء المجموع من جماعات جهنم، هذا فيمَن رواها مخففة، ومن رواها (جُثيّ) مشددة، فإنه أراد الذين يجثون على الركب، واحدها جاثٍ.

[16] هذا الحديث أورده الشيخ - رحمه الله - مختصرًا من حديث الحارث الأشعري - رضي الله عنه - والحديث أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، (4/ 130)، والترمذي برقم: (2867) في الأمثال، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده: (159)، والحاكم في "المستدْرَك"، (1/ 421)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأشار الشيخ الألباني - حفظه الله - إلى صحته في صحيح الجامع برقم: (1724).

[17] (أعضوه بهن أبيه)، قال البغوي في شرح السنة: (13/ 121)؛ يعني: ذكره، وقال: قلت: يريد أن يقول له: اعضض بأير أبيك، يجاهره بمثل هذا اللفظ الشنيع؛ ردًّا لما أتى به من الانتماء إلى قبيلته، والافتِخار بهم.

[18] إسناده صحيح، أخرجه الإمام أحمد في "المسند"، (5/ 136)، والبخاري في الأدب المفرد، برقم: (936)، وابن حبان في صحيحه، برقم: (3143)، والطبراني في المعجم الكبير: (1/ 27، 2)، والضياء المقدسي في المختارة: (1/ 407)، هذا وقد أشار شيخنا الألباني إلى صحته في السلسلة الصحيحة برقم: (269).

[19] انظر: قول الشيخ محمد الأمين بن المختار الشنقيطي - رحمه الله - في تفسيره القيم "أضواء البيان": (3/ 444) وما بعدها.

[20] ملة إبراهيم - عليه السلام - في الولاء والبراء تعتبر نموذجًا لا يجوز الحياد عنه لا بحجة مصلحة الدعوة، أو خوف الفتنة، أو غير ذلك من المزاعم التي يلقيها الشيطان في نفوس ضعفاء الإيمان، فالله - سبحانه وتعالى - أعلم بالمصلحة من العباد، وهو القائل سبحانه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]، فالسفاهة هي وصفٌ لكل من رغب عن طريقه ومنهجه، ولذلك لا بد لنا من البراءة من كل الطواغيت، ومن كل سدنتهم، ومن كل أجهزتهم ومناهجهم وقوانينهم، ونقول لهم بصراحة كما قال إبراهيم - عليه السلام - ومن معه: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّه﴾ [الممتحنة: 4].

المصدر: شبكة الألوكة.





مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا