الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 1102

العز المفقود والأمل المنشود

الحمد لله رب العالمين.

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن قضية المسجد الأقصى وفلسطين قضية يُطلب اليوم لها الحل في الأرض سُفْلِ العالَم ولذلك تزداد تعقيداً وسوءاً. وإن لهذه القضية ولغيرها من قضايا المسلمين مفتاح لكنه ليس معهم الآن فليطلبوه من مكانه لأنه في العالَم العلوي عند مليكهم. وإنه لا يُشترى بالكنوز وليس بطلسم يُفَكّ بالرموز، إنه إرضاء من بيده القوة على تحويل الأحول من حال إلى حال.

إن المسلمين منذ عهد بعيد قدْ فارقوا عِزهم حتى أَفَلَ نصرهم، وإن الذي يملكهم ويملك أعدائهم ويملك الوجود كله سبحانه له تصريف الأمور وتدبيرها وقد أغضبوه بعملهم بمالا يرضيه، وهذا الذي أغضبوه به هو الذي صنع قوة أعدائهم وهو الذي عظمهم في صدورهم وهو الذي سلّطهم عليهم، قال تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾؛ أي يُخوّفكم بأوليائه ويعظمهم في صدوركم. والمصيبة أن دواء هذا الداء غير مقبول ولذلك يلجأ المريض إلى مايزيد عِلّته.

فيقال للفلسطينين وغيرهم ممن ينتسب إلى الإسلام؛ عودوا لمن أزمة الأمور بيديه فإنه هو الذي سلّط عليكم عدوكم بذنوبكم كما قال سبحانه: ﴿إن الله لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.

وإن كيفية الرجوع إلى الله تعالى في زماننا من هذه الدول والشعوب العربية يكون بما يلي:

1) الكفر بالطاغوت من أصنام وقبور وقوانين وأنظمة.

2) تحقيق الإيمان بالله وحده مقيداً ذلك بتوحيد اتِّباع رسوله صلى الله عليه وسلم.

3) إعلان الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا فحسب دون أن تكون لمطلب آخر.

4) إقامة الحدود الشرعية كاملة بلا زيادة ولا نقصان.

5) القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو في الشريعة على إطلاقه دون تدخل أنظمَة مُعَرْقِلة.

6) إعادة التعليم إلى الطريقة السلفية وذلك بالاقتصار على الكتاب والسنة وألا يكون حرفة وسلعة تُطلب به الدنيا، فقصر التعليم على علم الكتاب والسنة هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان من سلف الأمة، وباعتقاده والعمل به والاقتصار عليه وطلب رضى الله به صارت حالهم كما هو معروف. أما أن تُسْتَجلب علوم الكفار ولغاتهم وتُرْفع إلى مستوى علم الرسول صلى الله عليه وسلم وأعظم فكفى بذلك شراً. وليس هناك من استنكار للعقوبة والتسليط مع هذا الفعل الخطير.

إن المتابع اليوم لأخبار العالَم من خلال مصادرها يستشعر كأن العالَم قد عَزَلَ المالك عن مُلكه والمدبِّر عن تدبيره والقائم بأمور خلقه عن قيّوميته ورقابته وشهوده. إنه لا ذِكر لَه في الحروب ولا الزلازل ولا الخسوف ولا ما يجري من الأمور، وكأنّ الأسباب قد استقلت، وهَيْمنة الإله قد تلاشت واضمحلت.

إن المتابع للأحداث صغيرها وكبيرها يشعر بانقطاع الصلة بين المخلوق وخالقه وليس هذا بمقتصر على المنكرين لوجود الإله إذ ليس هذا بعجب منهم، وإنما الشأن بالعرب ومن يدّعي الإسلام.

لقد طَغَتْ رؤية الأسباب والتعلق بها والتوكل عليها على الحقيقة التي لا تندفع بتناسيها، ولا تتأثر بالإعراض عنها، لكن الخاسر المغبون من أعرض وتولى، وقد قال تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾. لاشك أنها العقوبات التي ضُربت بها القلوب فبعدتْ عن فاطرها سبحانه المدبر لأمرها، ولم يكن سلف الأمة على هذا ولم تكن الأسباب تحجبهم عن مُسَبّبها ومُوجدها سبحانه بل يُلابسونها ظاهراً وتعلقهم في الباطن بمسببها، وإن تدهْور الأمم منوط بانقطاع صلتها بالمدبر سبحانه، وكذلك الأفراد إذِ الأمر كله له كما أن الملك كله له، وهو لم يخلق الخلق إلا لعبادته المقيّدة باتباع رسوله.

إن ما يجري في العالَم من صغير وكبير إنما هو بَقَدَرٍ سابق محكم مُتقن لا يخرج عنه شيء، فأين الإيمان الفعلي بذلك الذي يصل المخلوق بخالقه في كل شأنه؟

إن هوداً عليه السلام يقول لقومه: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾. إنه وصف باهر أن يُمثِّل عليه السلام قَدَرَ الإله العظيم بهذا فكلٌّ يعلم أن أخْذَ الدابة من الآدميين والحيوان وجرِّها بناصيتها معناه التحكّم في شأنها وتسْييرها على المراد حيث لا تقدر على المقاومة والمنازعة لِمقارنة الألم وملازمته لذلك.

إن القَدَر هو قدرة الرحمن كما فسّره بذلك إمام أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله - فهل يخرج شيء في الوجود عن قدرة موجده!! إن نَوَاصي الكفار بيد الجبار فمالنا نسخطه ونرجو نصرنا عليهم؟ وإن مشاركتنا لهم بمعصيته موجبة لتسليطهم علينا.

إن اعتقاد هَيْمنة المقادير يوجب خلع الأسباب عن ربوبيتها بعدم الاعتماد عليها والثقة بها مع ملابستها كما يوجب أيضاً صحة التوكل على مَن هي بيده وطَوْع مشيئته. وانظر مطابقة قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم لقول أخيه هود المتقدم حيث قال: «ناصيتي بيدك»، تعرف حقيقة التوكل وحال الأنبياء عليهم السلام فيه، ولا عجب فهو نصف الدين كما أن نصفه الآخر إنابة. والمراد هنا عزل العالَم محرِّك الوجود ومُسَكّنه التفاتاً بالكلية إلى حركته وسكونه وذلك انشغال بالآلة عن المحرِّك.

إن الوجود كله آلة والمحرِّك لهذه الآلة مُوجِدُها، إنه لم يخلق الأعيان للمخلوقات ويدعها تُحرِّك نفسها لأن هذا خَلْق وهي لا تقدر عليه بل خَلَقَ الأعيان وهو يخلق أفعالها، فأين نحن من ربنا!! لقد اختلّت الموازين باختلال أصول الشريعة والدين، وإن الهوان والخذلان وسوء الحال وتسليط الأعداء على المسلمين لَقَرينٌ لمخالفة ماشرعه لعباده الحكيم العليم، وليس الإيمان بالدعوى والتّسمي. ولقد قال تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾.

ثم لا شك بأن ماحصل من التبديل والتغيير في الحكم والأحكام وكل أنظمة الحياة إنما هو من الفساد في الأرض سوى ما طابق وَوَافق ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون. إن الأمة مُلْزمة بالتزام هذا السبيل ومحذَّرة من التغيير والتبديل. وإنه لما حصل التغيير والتبديل والإحداث قارَن ذلك الهوان والذل وحَلّت بالأمة الشدائد، وهي على مرور الوقت تزداد شدة لأنها تُعالج إن عُولجت بما يزيد الداء تمكّناً، وذلك لغلبة الهوى واستحكام الطغيان.

وإن من أمثلة ما اسْتعصى من أدواء الأمة على العافية والشفاء قضية المسجد الأقصى وتسلّط اليهود على الفلسطينين.
وإن المتابع لهذه الأحداث وهو على بصيرة من دينه فإنه سيرى أن علاج هذا المرض مفقود من حين بدأ وحتى يومنا هذا حيث إن البيوت لم تؤت من أبوابها وكأنه يُراد من الله سبحانه أن يُجري المقادير على غير عادته فيها وأن يُجريها على مقتضى الأهواء، وهو سبحانه قد أخبرنا أن سنته التي هي عادته لا تتغير ولا تتبدل، وقد أخبرنا سبحانه أنه ﴿لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، فاليهود سُلّطوا بسبب معاصي الفلسطينيين المجاورين لبيت الله المنتهكين لحرماته، ولقد حصل بينهم وبين اليهود مودّة هي محرمة عليهم كما أنهم تشبهوا بهم في كل شيء حتى إنه ليكاد أن يصعب التمييز بينهم، وقد جاهروا بمعاصي الله وأبطلوا حدوده وحكّموا الطاغوت ﴿وقد أُمروا أن يكفروا به﴾ وجاهروا بالغناء والمسارح والخنا والفسق وتبرج النساء وحلق اللحى، وما شئتَ من مساخط الجليل الموجبة لتسلّط الأعداء كالإحداث في نهج العلم والتعليم المخالف للسلف الصالح حيث إن علم الأمة والذي هو ميراث نبيها صلى الله عليه وسلم لا يُخلط بغيره، ولا يُجعل آلة يُتَوَصّل بها إلى المكاسب الدنيوية، بل لقد أصبح مزاحَماً بعلوم الكفرة ولغاتهم حتى طغتْ عليه وزحزحته عن مكانه وعزلته عن سلطانه.

لقد عُظمت علوم المعطلة وقُدِّمت على نصوص القرآن وهذا وحده كاف لتسليط الأعداء كيف وقد بلغ السيل الزبى، وليُعلم أنه ليس لليهود المرّة ولنا الحلوة إذا سلكنا سبيلهم، ولقد سَلّط الله عليهم الأعداء كما سُلّطوا علينا، والجامع لذلك المخالفة لدين رب العالمين، ولقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أننا نسلك سبيلهم ونتبع سننهم محذراً لنا ومنذراً وذاماً لذلك السبيل وتلك السنن وأنها موجبة للسخط والتسليط كما فعل الرب سبحانه بهم قبلنا.

فتأمل الآن ماحكاه ابن القيم رحمه الله عن اليهود حتى وتسليط الله الأعداء عليهم وتأمل ما حَلّ بالأمة قبلنا من جنس ماجرى على اليهود تعلم بذلك معنى قوله تعالى: ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلاً. ولن تجد لسنة الله تحويلاً﴾.

ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه "إغاثة اللهفان" [2/269]: (بأنه بعد ما توفي موسى عليه السلام دخل الداخل على بني إسرائيل ورفع التعطيل رأسه بينهم وأقبلوا على علوم المعطلة أعداء موسى عليه السلام وقدّموها على نصوص التوراة فسلّط الله تعالى عليهم من أزال مُلكهم وشردهم من أوطانهم وسبى ذراريهم كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي وتعوّضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم، كما سلّط النصارى على بلاد المغرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها فاسْتولت النصارى على أكثر بلادهم وأصَارُوهُمْ رعية لهم.

وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق سلّط عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها، وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلّط عليهم القرامطة الباطنية فكسروا عسكر الخليفة عِدّة مرات واسْتولوا على الحاج واسْتعرضوهم قتلاً وأسْراً واشتدت شوكتهم... إلى آخره).

وما أشبه الليلة بالبارحة.. ولا يحتاج هذا إلى زيادة فهو واضح وبيّن، ولقد تشبّهنا بهم فكيف نسْتنكر التسليط.

والحقيقة أن هذا لا يخص الفلسطينيين وحدهم بل هذا عَمّ جميع الدول العربية، والفتن أصبحت مشتركة، وإنه لا مخرج إلا بالتوبة الصادقة وذلك بالرجوع لما يُسمِّيه المنافقون رجعية ليصدو عن سبيل الله وهو الموْسوم بـ "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي".

إنه يحق لنا أن ننظر بجد وبصدق عن أسباب ذلّنا وهَوَاننا بعد عزنا وشرفنا، وانخفاضنا وانحطاطنا بعد علونا وسُمُوّنا، إنه يجبُ علينا أن ننظر بجد وبصدق لنعرف المرض الذي أنهكنا وقتلنا أوْكاد أن يقتلنا، دون أن نتعامى ونتصامم معصية خالقنا كما ذكرت هنا.

وإن مما ينبغي أن يُعلم أنه قد سبق وقتنا أوقات ذَلّ فيها المسلمون وهانوا ولكن كان هناك بقية ماضعفوا وما اسْتكانوا فكانوا مَوَازين للناس يُعرف بهم مهتديهم من ضالهم وليست لهم شارات وعلامات سوى "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"؛ بهم حفظ الله الإسلام وبهم قامت الحجة على من ضل من الأنام.

كذلك فإن ما نحن فيه من غربة الدين لا يشبه ما مضى من أوقات تغرّبه لكي ننظر في الدواء الذي عولجت به تلك الأمراض فَنَصِفها ونستعملها لتعود لنا الصحة والعافية، إن عِلَلنا لاتشبه تلك العِلل. وغربة الدين اليوم لم يسبق لها نظير تقاس به إذْ أن استقراء تأريخ الأمة عبر القرون الماضية يدلنا دلالة واضحة على أن مانحن فيه ليس له شبيه، وأنه التوْطئة للدجال.

وإن ملامسة الواقع هو أن تعلم أن كل مانعيشه في هذا الزمان دخيل على الإسلام غريب عليه مُنافِرٌ له غير ملائم، ولقد حُذّرنا ماوقعنا فيه لكننا لم نحذر، ولقد كانت البداية سهلة حتى توغّلنا فغرقنا فكنا كمن دخل البحر فهو بقربه من الساحل على سبيل نجاة لكنه لجَّج فغرق.

ليُعلم أن دائنا هو التشبه بالكفار، لأن عِزّ الإسلام مقرون بتفرده، وهذا التفرد ظاهر جلي في الرعيل الأول، وقد أُمِرَتِ الأمة بلزوم هذا الطريق، وأعظم ماجاءت به المخالفة هو في العلم وكوْنه صار مطلباً دنيوياً مع خلطه بعلوم الكفار.

إن أمور الكفار لا تصلح للمسلمين لأنها تكوّنت على مقتضى عاداتهم وطبائعهم، وعلى مقتضى نظرهم للحياة الدنيا التي هي أكبر همهم ومبلغ علمهم، فهي عندهم غاية بخلاف المسلمين الذين يعتقدون أن حياتهم الدنيا وسيلة وممرّ ومعبر لحياتهم الدائمة، فإذا تشبه المسلمون بهم أثّر ذلك فيهم آثاراً هي اليوم ظاهرة من الركون إلى الدنيا والإطمئنان إليها وجَعْلها أكبر الهم، وإن أعظم ذلك هو العلم الذي لو لم يأتنا سوى خلطه بعلوم الكفار وجعله وسيلة للمال والشرف كما هو حاصل في وقتنا لكفى بذلك شراً.

والله المستعان
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين





مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا