الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 1517
الولاء والبراء والنظر في المناهج

الحمد لله القائل: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [ الأنبياء: 92].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ختم رسالات السماء بالإسلام، وأنزل على خاتم المرسلين قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾[ آل عمران: 19].

وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسوله نزل عليه حين كان بمكة قوله سبحانه وتعالى﴿قُل يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ فاصل الآيات لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ فاصل الآيات وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فاصل الآيات وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ فاصل الآيات وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فاصل الآيات لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾  [سورة الكافرون].

وبَعَثَ في آخر أيامه بالمدينة منادياً يُنادي في الحج بقوله سبحانه وتعالى﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾  [التوبة: 3].

اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: اتقوا الله واخشوا يوماً تُرجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أيها المسلمون: قضيةٌ كبرى من قضايا الدين الحق، ما كنت أحسبُ أنني بحاجة إلى تذكيركم بها هذه الأيام - وإن كانت غاية في الأهمية لوضوحها عند عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم ومثقفيهم - لولا أني قرأت ما كتبه البعضُ مؤخراً عنها، ومسألة عظيمة من مسائل العقيدة يقع فيها الخطأ والخلط إن في الفهم أو في التطبيق أو في كليهما، عند فئة من الناس، وتحتاج إلى بيان وإيضاح، تلكم هي عقيدة الولاء والبراء، فما معنى الولاء وما معنى البراء؟ وما حكم الموالاة والمعاداة؟ وماذا عن نصوص الكتاب والسُّنة وكلام أهل العلم فيهما؟ وهل من أمثلةٍ واقعية على الموالاة للكفار؟ وما هي نتائج ذلك وآثاره؟

إخوة الإسلام: معنى الولاء هو المحبةُ والودُّ والقُرب، ومعنى البراء هو: البُغض والعداوة والبعد، وإذا كان الولاءُ والبراءُ من أعمال القلوب فإن مقتضياتهما وآثارهما تظهر في المواقف العملية وعلى الألسنة والجوارح.

ومن هنا يمكن القول أن الولاء والبراء ليسا مجرد اعتقادٍ في القلب، بل يظهر منهما وينشأ عنهما من أعمالِ القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة كالنُصرة والأنسِ والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال [عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، الدرر السنية 2/157].

والولاءُ الحق لا يكون إلا لله ولرسوله  وللمؤمنين كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالذِينَ آمَنُواْ الذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55].

والبراءةُ إنما تكون من الكافرين وكذلك أُمر المؤمنون ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلقُونَ إِليْهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الحَقِّ﴾ [الممتحنة: 1] إلى قوله سبحانه وتعالى مخاطباً المؤمنين ومادحاً لإبراهيم والمؤمنين معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَه﴾ [الممتحنة: 1 -4].

عبادَ الله: هل يخفى أن الولاءَ والبراءَ شرطٌ في الإيمان، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلوْنَ الذِينَ كَفَرُواْ لبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَليْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ فاصل الآيات وَلوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِل إِليْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 80، 81].

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "فذكر جملةً شرطيةً تقتضي أنه إذا وجد الشرطُ وُجد المشروط، بحرف [لو] التي تقتضي مع الشرط انتفاءُ المشروط[الإيمان ص14].

أيها المؤمنون: بل يصل الأمرُ في الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين إلى كونه أوثق عُرى الإيمان، بخبر الصادق المصدوق حيث قال صلى الله عليه وسلم: «أَوْثَق عُرَى الإِيمَان الحُبّ فِي الله وَالبُغْض فِي الله» [أخرجه أحمد 4/286 وغيره، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة [1728].

والولاءُ والبراءُ ليس عقيدةً باردةً لا محل لها ولا شأن في الإسلام، بل يرى علماءُ العقيدة أنه لا يتمُّ الدينُ ولا يُقام علمُ الجهاد، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، إلا في الحبِّ في الله والبغض في الله، ولو كان الناسُ مسلمهُم وكافرهم متفقين على طريقةٍ واحدة ومحبةٍ من غير عداوةٍ، ولا بغضاء لم يكن فرقاناً بين الحق والباطل ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان[الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، رسالة أوثق عرى الإيمان/38].

ومن عجبٍ أن تُجهل عقيدةُ الولاءِ والبراء، أو يتهاون المسلمون في تطبيقاتها، وليس في كتاب الله حكمٌ - بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده - أكثر أدلةٍ ولا أبينَ من معاداة الكفار والمشركين، كما قال الشيخُ حمدُ بن عتيق - رحمه الله - وغيره[د. عبد العزيز العبد اللطيف، نواقض الإيمان القولية والعملية/359].

أجل لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه - رضي الله عنهم- على تحقيق هذا الأصل العظيم.

وهذا جريرُ بن عبد الله البجلي يقول: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يُبَايِعُ، فَقُلتُ: يَا رَسُول اللهِ ابْسُطْ يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ وَاشْتَرِطْ عَليَّ فَأَنْتَ أَعْلمُ، قَال: أُبَايِعُكَ عَلى أَنْ تَعْبُدَ اللهَ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتُنَاصِحَ المُسْلِمِينَ، وَتُفَارِقَ المُشْرِكِينَ» [أخرجه أحمد 4/365، والنسائي 7/148، والبيهقي 9/13، وصححه الألباني في الصحيحة [936].

أيها المسلمون: ومن خلال ما سبق يتبين أن عقيدة الولاء والبراء منهجُ الأنبياء - عليهم السلام -، ومما بايع عليه الصحابةُ رضوان الله عليهم، وتكلم علماءُ الأمة فيها سلفاً وخلفاً، وما ينكر ذلك إلا جاهل أو مكابرٌ أو صاحبُ هوى، وكم تفاجأتُ - وربما تفاجئ غيري - من مقال نُشر في جريرة عكاظ يوم السبت الماضي 21/10/1422هـ لأحد الكتاب - هداه الله وبصَّره بالحنيفية السمحة- وليست هذه بأولى سوآته، والمقال بعنوان: [التطرف] وقد تكلم فيه عن [الولاء والبراء] بكلام تستغرب أن يُنشر أولاً، وتستغرب ثانياً أن يصدر من مسلم يقرأ القرآن الكريم أو يعرفُ سنة محمد وأقتطف لكم شيئاً مما قاله:

قال في بداية المقال: لو تأملنا قليلاً في فكر الجماعات المتطرفة الإرهابية ثم ذكر نموذجاً لها وقال: هذه الجماعاتُ تؤمن وتعمل وفق ما يُسمى بعقيدة أو فكرة الولاء والبراء...".

ثم قال بعد: "ونظريةُ الولاءِ والبراء مبدأ أعلنه الخوارجُ قديماً وجعلوه مُحفِّزاّ لأتباعهم للقتالِ والعُنفِ ضد المجتمع، ثم اندثر هذا المبدأُ ولم يعدْ له ذكرٌ إلى أن أحياه وعاد له المتطرفون الجُدد... ".

وفي نهاية المقال قال: وهكذا دخلت [نظريةُ] الولاء والبراء من عدة بوابات في الإعلامِ وفي التعليم وفي الكتب... الخ وأصبحت تُعرف بأنها إحدى ركائز دراسةِ العقيدة، وواضحٌ أنها أضيفت بتعسفٍ إلى ركائز العقيدة السليمة".

إن هذا الكلام من السقوط والضحالة والجهل بحيثُ لا يحتاج معه إلى وقفة ولا تعليق وفيما مضى من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم ما يكشفُ بطلانه، ولكنك تستغربُ كيف تصلُ الضحالة الفكرية ببعض الكتاب إلى هذا الحد... وتستغرب كيف يُسمح بنشر هذا التهجم الصريح أو الملفوف على نصوص الكتاب والسنة وسيرة محمد r وهديه وهدي أصحابه وتراث الأمة كلِّها في بلاد أكرمها الله بالحرمين، ومنها انطلقت وشعَّ نورُ الإسلام معلناً الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين.

تُرى أيجهل الكاتبُ أن من بلده الذي كتب فيه شعَّ نورُ الإسلام وأعلن محمد بأمر ربه ولاءه للمؤمنين وبراءته للمشركين حتى وإن كانوا أولي عهد، في قرآن تُلى ويُتلى إلى يوم القيامة: ﴿بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى الذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾ [ التوبة: 1].

وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [ التوبة: 3].

وفي صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من مدونات السنة وكتب أهل العلم ما يكشف ويفسر ويوضح ويرشدُ إلى مزيد من آيات وأحاديث البراءة من المشركين، فهل هذه وتلك نَبتت وأعُلنت من قبل الخوارج؟ وهل هذا فكرُ المتطرفين أم وحيُ رب العالمين؟! إنه الجهل والرميُ والبهتان، وويل للفضيلة من الرذيلة، وللحق من الباطل، إذا تكلم المرءُ بما لا يُحسن، وتطاول المتطاولون ولنا أملٌ في أن يوقف الكاتبُ عند حدِّه وتُساؤل الصحيفة كيف سمحت بمثل هذه الكتابات المفترية على الله الكذب والله يقول: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلى اللّهِ الكَذِبَ إِنَّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ فاصل الآيات مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [ النحل: 116، 117].

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رَبّ العالمين جعل فرقاناً كبيراً بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له حكم - وهو أعلمُ وأحكم- بأن حزب الله هم المفلحون، وحزب الشيطان هم الخاسرون، وأشهد أن محمداً عبده ورسولهُ صلى الله عليه وعلى آله وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً.

إخوة الإيمان: ومن التنظير - في مسألة الولاء والبراء - إلى التطبيق العملي لنرى ونتبين أنواعاً من الممارسات والسلوكيات المخالفة لعقيدة الولاء والبراء، إذْ من الناس من يؤمن بهذه العقيدة نظرياً لكنه قد يضعفُ في تطبيقاتها عملياً، والله - تعالى - ينهى بشكل عام عن التناقض بين القول والعمل ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ فاصل الآيات كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [ الصف: 3].

واكتفي بالوقوف عند مظهرين من مظاهر الولاء للكافرين:

أولاً: من هذه الموالاة العملية للكفار، الإقامة ببلدهم رغبةً واختياراً لصحبتهم، والرضا بما هم عليه من كفر أو يمدحه، أو يُرضيهم بعيب المسلمين فأولئك ليس من الله في شيء كما قال سبحانه وتعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَليْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْء﴾ [ آل عمران: 128].

وإذا كان الإمامُ مالك - رحمه الله - كره للمسلم أن يسكن ببلدٍ يُسبُّ فيه السلفُ فكيف ببلدٍ يُكفر فيه بالرحمن، وتُعبد فيه من دونه الأوثان، ولا تستقرُ نفسُ أحدٍ على هذا إلا وهو مسلمٌ مريضٌ الإيمان [ابن رشد، مقدمات ابن رشد 2/612، 613].

ثانياً: ومن مظاهر الولاء للكفار وهو الأكثر وقوعاً طاعتهم في التشريع والتحليل والتحريم، فذلك كفرٌ وخروجٌ عن الملِّة يقول سبحانه وتعالى:﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [ آل عمران: 100].

وهو - فوق الكفر- مُوردٌ للخسران في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ﴾[ آل عمران: 149].

يقول الشيخُ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - وهو من أعلام الدعوة السلفية- عند هذه الآية: "أخبر سبحانه وتعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلابد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرين، ولم يرخِص في موافقتهم وطاعتهم خوفاً منهم. [الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ص33، العبد اللطيف، نواقض الإيمان 365].

أيها المسلمون: ونحن في هذه الأيام - ومع الأزمة الأخيرة - نشهد نوعاً من هذا التدخل الغربي النصراني في أحوال المسلمين وتشريعاتهم وذلك بفرض السياسات والتدخل في المناهج وصياغة العقول المسلمة كما يريدون إنها حملةٌ شرسةٌ على الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي، والثقافة الإسلامية، لم يستطع الغربُ إخفاء معالمها وخطواتها، في ظل دعايته وإعلانه الحرب على الإرهاب، لقد انكشف الغطاءُ، وزال اللبسُ عند عددٍ من المنُخدعين بسياسةِ الغرب والضانين بنْزاهته؟

وما الحملات والمخططات للعالم الإسلامي - من قِبل الغرب - إلا برهانٌ لتوجههم لسياسة [صراع الحضارات] - وفي مقدمتها والمقصود الأولُ منها حضارةُ الإسلام- وكان للملكة نصيبٌ وافرٌ من هذه الحملة الظالمة، ويبدوا أنها إرهاصٌ لفرض سياسات والتدخل في الخصوصيات - في العالم الإسلامي بشكل عام - إن المناهج - على سبيل المثال - خصوصيةٌ وهي تعبيرٌ عن ثقافة الأمة، ومقومات الدولة - لا يسوغ بحال- أن تتدخل فيها الأمم الأخرى، وإذا كان الغربُ لا يسمح للمسلمين أن يتدخلوا في مناهجه التعليمية، حتى وإن كان فيها من العَوَر والقصور - ما فيها- في نظر المسلمين، فكذلك المسلمون لا يسمحون للأجنبي أن يتدخل في مناهجهم - بل ولا في سياساتهم الأخرى الإعلامية، والاقتصادية، والاجتماعية... ونحوها.

ولو كان الغربُ جاداً في الإصلاح لبدأ بإصلاح مناهجه ومدارسه، تلك التي تشهدُ من الجرائم وتخريج المنحرفين والشاذين ما يدعوا للإصلاح، ولغة الأرقام، وعناوين المقالات يشهد على عدد من هذه الجرائم والممارسات اللاأخلاقية في مدارس الغرب مما لا يوجد مِثلُه ولا قريبٌ منه في مدارس المسلمين، هذا فضلاً عن ما في إعلامهم وتعليمهم من إساءة للإسلام وتشويه صورة المسلمين، دون حقٍ أو عدل، ومن زاوية أخرى فهل يستطيع الغربُ أن يدعوا للتغيير في المناهج والبُنى الثقافية والإعلامية في الصين واليابان مثلاً أو في الهند، أو في فيتنام أو نحوها من الأمم والثقافات الأخرى؟

ومن زاوية ثالثة وإذا وُجد في العالم الإسلامي مدارسُ ومعاهدُ دينية أو كليات وجامعات لتعليم الدين الحق في مصر أو السعودية أو الباكستان أو غيرها من الدول العربية والإسلامية مثل اليمن والمغرب وأفريقيا، فعند الغرب مئاتٌ من المدارس والمعاهد والكليات والجامعات التي تدرس اللاهوت وتُعنى بالإنجيل و التوراة، ولو كانت خزعبلات وتحريفات وطنطنات وترانيم فارغةَ المحتوى قاصرة في الأهداف والرؤى، وهناك المئات بل الألوف من المحطات الإذاعية والقنوات الفضائية، والصحف والمجلات الأصولية الإنجيلية أو التوراتية، فأين الحديث عن التطرف وتلك منابعهُ، وأين الحديث عن الإرهاب وتلك مجالات تفريخة؟!

وباختصار - يمكن القول- إن المناهج التعليمية والسياسات الإعلامية والاجتماعية ونحوها في أي أمة من الأمم هي شأن خاص من شؤونها لا يجوز لأي قوةٍ خارجية أن تتدخل في صياغتها أو تتلاعب بشيءٍ من مفرداتها، والقوانين والدساتيرُ التي يُدندن حولها هؤلاء الغربيون تمنع من هذه التدخلات هذا بمنطقهم، وفوق ذلك ترفض شريعةُ الله، ويمنع منه إقامةُ الحق والعدل، ويتعارض مع لوازم عقيدة الولاء والبراء في مفهومنا ومنطقنا؟

 

معاشر المسلمين: إننا لا نستغرب مثل هذه الهجمات على الإسلام والمسلمين- من قبل الأعداء فذلك شأنُنا وإياهم عبر التاريخ، لكن المستغرب بحق أن ينبري للتغيير للأسوأ أناسٌ من أبناء جلدتنا ويتكلمون بلغتنا، وفي مقال الكاتب المشار إليه أنفاً، شيءٌ من ذلك بل ودعوةٌ للنظر في الكتب والمناهج التي تحمل خصوصية الأمة وما يحفظها من الذوبان في حضارة الآخرين عبر مؤشرات الولاء والبراء، ومحاور الأصالة، وتثبيت القيم، وثمة طروحاتٌ أخرى مشابهة لهذا الطرح تظهر علينا بين الفينة والأخرى، ولستُ أدري أهي تشكيكٌ في مناهجنا التعليمية تلك التي تعب في صياغة سياستها، ومقرراتِ مناهجها، - مخلصون لدينهم ووطنهم - كذلك نحسبهم والله حسبنا وإياهم- وتخرج منها بكل كفاءة واقتدار العلماءُ والوزراء والمهندسون والأطباء، والإداريون، وأصحابُ الكفاءات المختلفة؟

أم هو تناغمٌ مع ما يطرحه الغربُ - هذه الأيام- ويتهجمون به على مناهجنا؟ إن التطوير للأحسن مطلب، والنظرُ والتقويم المستمرُ للمناهج - بما يفي بحاجات العصر ومتطلبات التقدم - دليلُ النضج لكن ليس على حساب قيمنا وعقائدنا وأصالتنا وثوابتنا، وتاريخنا، والمختصون يقولون: إن نسبة تأثير المناهج على الفرد بحدود [7%] إنها مأساة حين ينحصر تفكيرُ بعض مثقفينا -في تطوير المناهج- بحذف أو تقليل المواد الدينية والعربية في زمن باتت فيه حربُ العقائد ظاهرة، أو بحذف عبارات ومفاهيم هي من صميم ديننا كالولاء والبراء والجهاد... ونحوها، وكأنها المعوق عن التقدم وينسون أن التطوير ممكن دون طمس هوية الأمة، وأن التقدم لا يعيقه تحقيق معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله.

إن الاستحياء من ذكر المفاهيم الإسلامية والمصطلحات القرآنية، والعناية بالسنة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المجيد، كل ذلك مؤشراتٌ للهزيمة النفسية، وهو سقوطٌ في أول المعركة، بل هو ذوبانٌ للشعوب والدول الإسلامية والحضارة الإسلامية في زمنٍ باتت لغةُ القوة هي المسيطرة، وإن كانت قوةً باطلة فهل نعي حقيقة المعركة، وهل نحافظ على أصالتنا وقيمنا مع التطوير والتجديد النافع وهل نشدُّ على أيدي القائمين على المناهج والمدركين لأهداف الحملات الشرسة؟

إن في بلادنا والحمد لله من المسؤولين والعلماء والمفكرين وصُناع القرار من يدركون هذه المعاني، زادهم الله قوةً وأعانهم وسددهم ولا بُدَّ أن نقف معهم إن كنا جادين في مصلحة الدين والوطن؟ والعاقبة للتقوى وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.
==========
المصدر: موقع مداد.





مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا