الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 226

أسلحة الأمة


إن الحرب مع الأعداء لا تكاد تعرف إلا منطق القوة، سواء أكانت هذه القوة حسية مادية أم قوة معنوية غيبية، لذا قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [(60) سورة الأنفال]، ومن الخطأ الفادح تقويم معادلة القوة بالنظر إلى أحد جانبيها الحسي أو المعنوي مع إغفال الجانب الآخر. وأعظم من ذلك خطأ الاعتماد على جانب دون الجانب الآخر، كمن يعتمد فقط على نصر الله لعباده المؤمنين انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ فاصل الآيات إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ فاصل الآيات وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [(171-173) سورة الصافات]، فيدعوهم ذلك إلى ترك الأخذ بالأسباب المادية، أو يرى أن عدم التكافؤ في الأسباب المادية يوجب الهزيمة والاستسلام، ويظن أنَّ مواجهة الأعداء مع عدم التكافؤ المادي الحسي التقني إلقاء بالنفس إلى التهلكة، والحق أن قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [(195) سورة البقرة]، جاء في سياق الآيات وهي تلفت النظر إلى الجانب الأهم للقوة، وهو جانب معية الله لعباده المتقين، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [(194-195) سورة البقرة] قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله".
ولما قام رجل من الصحابة في غزوة القسطنطينية، فحمل على العدو حتى دخل فيهم ثم خرج، صاح الناس وقالوا: سبحان الله! ألقى بنفسه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنكم تتأولون هذه الآية، إنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سراً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به فقال تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن تحت أسوار االقسطنطينية.
إذاً مواجهة أهل الإيمان لعدوهم الذي يتفوق عليهم بالعدة والعدد -مهما كان الفارق بينهم، ومهما ملك العدو من وسائل الحرب المتطورة- ليست من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة إذا بذلوا ما في وسعهم لإعداد العدة الحسية والمعنوية لمواجهة عدوهم ولو كان شيئاً يسيراً، فإن الغلبة والنصر إنما هي من عند الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [(126) سورة آل عمران]. ويزيد الأمر وضوحاً إذا عرف المؤمن أن معادلة القوة تكون لصالحه إذا كان يملك إلى جانب ما يستطيع أن يعده من القوة الحسية تلك الأسلحة المعنوية التي لا يمكن لقوى الأرض كلها أن تقف أمامها.
لا أحد ينكر ما يحيط بالأمة من أخطار وأعداء من كل مكان، من الداخل ومن الخارج، لكن أكثر ما يخيف الناس وبعض ضعاف الإيمان ما يمتلك العدو من أسلحة هائلة مخيفة، وقد يخالط بعض المسلمين رعب وخوف من هذه الأسلحة ومن هذه القوة المدمرة ومما يملك العدو من ترسانة عظيمة، من قنابل محرقة، وطائرات مخيفة، وصواريخ مدمرة، وينشأ عن ذلك أحياناً يأس وإحباط، فكيف يمكن للأمة المسلمة أن ترد عدوان هذا الثور الهائج صاحب القرون النووية الفتاكة؟ وربما ترتب على ذلك الهزيمة النفسية التي يريد العدو إيقاعها بنا، فنخاف من محاصرتهم لنا اقتصادياً -كما يهددون بين الفينة والأخرى-، ونخاف من ضربة استباقية -كما يزعمون-، ونسينا أن قوة الله أعظم وجبروته أكبر ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [(21) سورة يوسف] قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [(10) سورة محمد] وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [(7) سورة الفتح] وقال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [(21) سورة غافر] وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ﴾ [(15-16) سورة فصلت].
إن الثقة في الله -جل وتعالى- وتذكّر قوته وعظمته وأنه القادر على كل شيء، وأن له ما في السموات وما في الأرض، وأنه وحده المتصرف في الكون هي من أبجديات عقيدة المسلم، ولكن المسلم أحياناً يضعف يقينه بالله في الأزمات والفتن، فيطغى عليه الخوف وتتنازعه الهواجس ما لم يتداركه الله برحمته، فيعود لكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليستظل في ظلها حيث السكينة والطمأنينة والثقة بنصر الله ووعده.
ما من شك في أن الإعداد واتخاذ الأسباب الممكنة لمواجهة الأعداء واجب شرعي وأمر مطلوب، ولكن الأمة المسلمة كغيرها من الأمم تمر بها فترات قوة وضعف، ونصر وهزيمة، ولربما تراكمت عليها المحن والأزمات وقادها أصحاب الشهوات والمصالح الخاصة فأضعفوها وأفرغوها من قواها حتى تصبح أشباحاً أمام أعدائها، ولذلك فلا بد لها -والحالة هذه- أن تتذكر أن لديها من السلاح الفتاك ما تستطيع به النهوض من كبوتها، فهي ليست كغيرها من الأمم، فيد الله ترعاها وإن قصّرت أحياناً، وقوة الله تحميها وإن ضعفت أحياناً، فلها حبل متين مع القوة الإلهية العظمى مهما أصابها من ضعف وهوان وتسلط للأعداء ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [(139) سورة آل عمران] والعجيب أن هذه الأسلحة الفتاكة التي تختص بها الأمة المسلمة لا يستطيع عدوها -كائناً من كان- أن ينتزعها منها، إلا أن توافق هي بإرادتها فتتخلي عنها عجزاً وكسلاً وخذلاناً ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [(30) سورة الشورى].
وهل حقاً تملك هذه الأمة -وفي هذا الوقت- من الأسلحة التي يمكنها أن تواجه به أسلحة ما تسمى بالدول العظمى؟ الجواب: نعم. إليك بعض هذه الأسلحة التي تملكها الأمة مما يمكّنها من منازلة عدوها وقهره بإذن الله وحوله وقوته:
السلاح الأول: الإيمان بالله تعالى: والإيمان بالله له شأن عظيم، فهو يزرع اليقين والثقة بوعد الله ونصره، وهو من أعظم أسباب الثبات في المعارك مع الأعداء، فالمؤمن لديه قوة وشجاعة وإقدام وتوكل على الله سبحانه، ولديه يقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [(22) سورة الأحزاب] وقال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [(51) سورة التوبة] فمن لديه الإيمان بقوة الله المطلقة فلن يخاف إلا الله، ومهما امتلك الأعداء من الطائرات المدمرة والسفن الهائلة والمدرعات المحرقة وصواريخ عابرات القارات، فهي تحت قدرة الله وملكه، فلو شاء لعطلها جميعاً فالسماء سماؤه، والأرض أرضه، والبحر من جنوده، فأين يذهبون؟.
السلاح الثاني: معيَّة الله لعباده المؤمنين: لا شك أن ميزان القوى ومعادلة التكافؤ بين الأطراف المتحاربة تخضع لمن يناصر كل طرف، ومن يقف بجانبه ويؤيده، وإن كان بمجرد التأييد العاطفي والتشجيع المعنوي، فكيف تكون المعادلة إذا كان الله -جل وعلا- مع أهل الإيمان يؤيدهم وينصرهم؟ كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [(26) سورة الأنفال] وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [(13) سورة آل عمران] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [(128) سورة النحل]، فهو معهم -سبحانه وتعالى- بالإعانة والكفاية والنصر والتأييد والهداية والتوفيق والتسديد، وغير ذلك مما تجفو عبارة المخلوق عنه ويقصر تعريفه دونه، وهذه هي معية الله الخاصة لأحبابه وأوليائه، ومن كان الله معه كان النصر حليفه، مهما ملك عدوه من قوة، وأصبح ذلك العدو أحقر من الذباب في نظره، -وإن كانت الأسباب المادية كلها في يده-، كما قال موسى -عليه السلام- حينما خرج فرعون بغطرسته وجنوده يطاردونه هو والقلة المؤمنة معه، حتى قال فرعون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [(54) سورة الشعراء]، وهذه المفارقة العظيمة بين الطرفين جعلت بعض من كان مع نبي الله موسى -عليه السلام- يقول: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [(61) سورة الشعراء]، ولكن موسى -عليه السلام- لمـا كان يعي حقيقة المعادلة ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [(62) سورة الشعراء] ثم قال الله -سبحانه وتعالى- بعد ذلك: ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ فاصل الآيات ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ فاصل الآيات إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [(65-67) سورة الشعراء].
وكذلك نبينا -صلى الله عليه وسلم- حينما خرجت قريش بغطرستها وكبريائها تطارده فأوى إلى الغار ومعه صاحبه الصديق -رضي الله عنه-، وما كانا يملكان من القوة المادية شيئاً يذكر، حتى خاف أبو بكر -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما رأى أن القوم قد وصلوا إليهم، ولكن الثقة بموعود الله جعلت النبي -صلى الله عليه وسلم- يُطَمئن صاحبه ويقول: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [(40) سورة التوبة] كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [(40) سورة التوبة] وحينما تمتلئ قلوب أهل الإيمان يقيناً بأن الله معهم لن يأبهوا بعدوهم مهما يكن معه من قوة.
السلاح الثالث: الرعب: وهو أن يقذف الله -سبحانه وتعالى- في نفوس أعدائه المهابة والخوف الشديد الذي تخور معه قواهم وتضطرب أفكارهم وتتوتر أعصابهم، وهذا سلاح فتاك يلقيه الله في قلوب الكافرين متى صدق المؤمنون مع ربهم، ونصروا دينه، وأخلصوا له العمل، وهو من أعظم أسباب النصرة لأنبيائه وأوليائه؛ فإن القوة الحقيقة هي قوة الفؤاد وثبات الجأش، وقد جعله الله من خصائص هذه الأمة المباركة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [(12) سورة الأنفال] وقال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا فاصل الآيات وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا فاصل الآيات وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [(25-27) سورة الأحزاب] ومن ثم فحينما يركن المسلمون إلى الدنيا وشهواتهم يسلط الله عليهم ذلاً وينـزع مهابتهم من قلوب أعدائهم كما ورد بذلك الحديث.
رعب وخوف الكفار من المؤمنين أمر أوجده الله في قلوبهم، فلا نحتاج أن نبذل شيئاً لإيجاده، ففي صحيح البخاري عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي» وذكر منها: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر».
فالواجب علينا الاستعداد والمسير ولا يجب علينا أكثر من ذلك، وكم نقرأ هذه الأيام تقارير ينشرها الغرب نفسه عن أحوال تصيب بعض جنودهم في بعض بلدان المسلمين التي دخلوها، وأنه أصاب أعداداً منهم أمراض نفسية وخوف وذعر غير طبيعي، وفي المقابل فإن الله -سبحانه وتعالى- يربط على قلوب المؤمنين، وينـزل عليهم السكينة حتى يصل بهم الحال إلى النعاس لما يجدونه في قلوبهم من الطمأنينة والسكينة: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾ [(11) سورة الأنفال] وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره، أن أبا طلحة قال: "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط فآخذه".
السلاح الرابع: الملائكة: وهم جند من جنود الله -{#emotions_dlg.azz}- يؤيد الله بهم عباده المؤمنين، فقد ثبت بالكتاب العزيز والسنة الصحيحة أن الملائكة شاركت في قتال المشركين يوم بدر كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فاصل الآيات إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ فاصل الآيات بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [(123-125) سورة آل عمران] وقال سبحانه: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [(12) سورة الأنفال] وقد رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- الملائكة في غزوة بدر وقال: «هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب» بل إن رؤيتهم لم تكن مقتصرة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ففي صحيح البخاري عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "رأيت عن يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض لم أرهما قبل ولا بعد". وحاربت الملائكة في مواقع أخرى، ففي غزوة الخندق يوم الأحزاب أرسل الله ملائكة تقاتل في صفوف أهل الإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [(9) سورة الأحزاب]. إن الملائكة خلق من خلق الله تعالى وقد أوتوا من القدرة ما يعجز عنه الوصف، فكيف يُهزم جندٌ يقاتل معهم الملائكة؟! وهذا من أهم الأسرار التي تجعل كفة الغلبة والنصر في أكثر الغزوات ترجح لصالح أهل الإيمان رغم عدم التكافؤ في العدد والعدة.
وهذا ليس خاصاً بذلك الجيل القرآني الفريد بل متى ما صدق المسلمون وأخلصوا لله في قتالهم، قاتلت معهم الملائكة وعندها لا ينفع الكفارَ أيُّ نوع من السلاح استخدموه.
السلاح الخامس: ذكر الله الدائم: وهذا له أثر عظيم في صلة المؤمنين بربهم وثباتهم، ولذلك أوصى الله عباده المؤمنين بذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [(45) سورة الأنفال].
السلاح السادس: الدعاء: وهو سلاح عظيم به يتنـزل النصر، وقد كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يفزع إلى ربه -جل وعلا- في غزواته ويلح عليه بالدعاء، ففي غزوة بدر بات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو ربه ويقول: «اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تُعبَد» وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر استقبل القبلة ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [(9) سورة الأنفال].
ولا شك أن الدعاء سلاح لا يقاوم، وقد كان السلف الصالح يعدون الدعاء من الأسلحة التي لا غنى لهم عنها في حروبهم وغزواتهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، -أي البراء بن مالك- أَقسِمْ على ربك! فيقول: "يا رب أقسمت عليك لما منحتني أكتافهم فيُهزم العدو"، فلما كان يوم القادسية قال: "أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد"، فمُنحوا أكتافهم وقُتِلَ البراء شهيداً".

وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، ما دعا قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق، ورُبَّ دعوة ضعيف من المسلمين كانت سبباً في نصرهم وفي الحديث قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنما تُنصرون وترزقون بضعفائكم».

  • أتهزأ بالدعاء وتزدريه
  • وما تدري بما فعل الدعاء
  • سهام الليل لا تخطي ولكن
  • لها أمد وللأمد انقضاء

 
السلاح السابع: الشوق إلى الجنات: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [(111) سورة التوبة] وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحث أصحابه على الجهاد ويشوقهم إلى الجنات حتى قال عمير بن الحُمام -رضي الله عنه- وهو يأكل تمرات: "أما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء" ثم ألقى التمرات ومضى مجاهداً إلى ربه حتى استشهد -رضي الله عنه وأرضاه-.
وذاك أنس بن النضر يقول -رضي الله عنه- وهو منطلق لقتال الكفار: "واهاً لريح الجنة، والله إني لأجد ريح الجنة دون أحد"، وهذا الشوق من أعظم ما يدفع المؤمنين لمبارزة العدو، وكيف لا يبذل المسلم روحه في سبيل الله وكيف لا يشتاق إلى جنة الله في وسط لمعان السيوف وتطاير الرؤوس وصوت البنادق وتدمير القنابل وقد حفظ قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن للشهيد عند ربه سبع خصال، أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلَّى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفّع في سبعين من أقاربه».

  • هل من يموت بميدان الجهاد كما
  • موت البهائم في الأعطان تنتحرُ
  • كلا وربي فلا تشبيه بينهمُ
  • قد قالها خالد إذ كان يحتضرُ
  • أهل الشهادة في الآثار قد أمنوا
  • من فتنةٍ وابتلاءاتٍ إذا قُبروا
  • ويوم ينفخ صور ليس يزعجهم
  • والناس قائمةٌ من هوله ذُعروا
  • وما سوى الدَّين من ذنبٍ وسيئةٍ
  • على الشهيد فعند الله مغتفرُ
  • أرواحهم في عُلا الجنات سارحةٌ
  • تأوي القناديل تحت العرش تزدهرُ
  • وحيث شاءت من الجنات تحملها
  • طير مغرّدةٌ ألوانها خضرُ
  • إن الشهيد شفيع في قرابته
  • سبعين منهم كما في مسندٍ حصروا
  • والترمذي أتى باللفظ في سنن
  • وفي كتاب أبي داود معتبرُ
  • مع ابن ماجة والمقدام ناقله
  • في ضمن ست خصال ساقها الخبرُ
  • ما كل من طلب العلياء نائلها
  • إن الشهادة مجد دونه حفرُ
  • وقد تردد في الأمثال من زمن
  • لا يُبْلَغُ المجدُ حتى يُلعقَ الصَبِرُ
  • ربي اشترى أنفساً ممن يجود بها
  • نعم المبيع ورب العرش ما خسروا

 

السلاح الثامن: السكينة والطمأنينة: وهي من أسباب الثبات في المعارك قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾ [(26) سورة التوبة].
السلاح التاسع: الصبر ومضاعفة العدد: قال الله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [(66) سورة الأنفال].
السلاح العاشر: التكبير: وهو أن يهتف أولياء الله وأحباؤه من المؤمنين: بلا إله إلا الله والله أكبر، فيكون لها من الأثر الحسي والمعنوي في أعداء الله ما لا تثبت أمامه قوى الأرض، بل تتلاشى وتضمحل أمام تكبيرات أهل الإيمان الصادقين المخلصين، الذين نصروا الله في أنفسهم فانتصروا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [(7) سورة محمد] ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟» قالوا: نعم يا رسول الله، قال:  «لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلونها فيغنمون، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ! فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون».
ويوم القادسية قال سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- لجيشه: "الزموا مواقفكم لا تحركوا شيئاً، حتى تصلوا الظهر، فإذا صليتم الظهر، فإني مكبر تكبيرة، فكبروا، واستعـدوا، واعلموا أن التكبير لم يعطه أحد قبلكم، واعلموا إنما أعطيـتموه تأييداً لكم، ثم إذا سمعتم فكبروا، ولتستَتِمَّ عدتكم، ثم إذا كبرت الثالثة فكبروا، ولينشط فرسانكم الناس؛ ليبرزوا وليطاردوا، فإذا كبرت الرابعة فازحفوا جميعاً حتى تخالطوا عدوكم، وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله".
فسبحان من أمره بين كن فيكون، وما أعظم هذه الكلمة لو وعاها المسلمون، فلها وقع عظيم في نفوس الكافرين، بل إنها سرعان ما تزلزل قلوبهم، فلا يلوون على شيء إذا قرعت آذانهم.
لقد كان التكبير شعار المجاهدين المقاتلين في القادسية واليرموك ونهاوند وغيرها من معارك الإسلام الكبرى فعملت عملها بإذن الله في نفوس المسلمين، وألقت الرعب في قلوب الكافرين، وجاء بعدها نصر الله.
السلاح الحادي عشر: التقوّي بإقامة الصلاة وحسن الصلة بالله تعالى: الصلاة هي الصلة بقيوم السماوات والأرض، فإذا اتصل العبد بالملك القدوس السلام المؤمن المهيمن الجبار المتكبر -سبحانه وتعالى- وكان حَسَنَ الاتصال بربه، فإنه يفوز بكل ما يصبو إليه، فإن دعا استجيب له وإن استنصر نُصِر، ومن هنا فقد كان -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكيف لا يكون؟ والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [(45) سورة البقرة]، ولهذا قال علي -رضي الله عنه-: "لقد رأيتنا يوم بدر وما منا إلا نائم، إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح".
السلاح الثاني عشر: التخلق بأخلاق الصالحين: وهذا من أعظم الأسلحة التي ينصر الله بسببها أهل الإيمان من المجاهدين في سبيله، بل إن كل الأسلحة والأسباب المتقدمة مبنية على هذا النوع المبارك، فإن معية الله الخاصة لأوليائه إنما تكون لأولئك، وكذلك نصرة الملائكة وغيرهم من جنود الله إنما تقاتل نُصرةً لعباد الله الصالحين، والمقصود بالصالحين أي: من وحد الله التوحيد الخالص، ونظر إلى أوامر الله فاتبـعها، ونظر إلى نواهيه فاجتنبها، وكان عمله خالصاً لوجه الله تعالى، فلم يصر على فعلِ صغيرة فضلاً عن الكبيرة، ولم يصر على تركِ واجبٍ فضلاً عن الفرائض، وكان مكثراً من النوافل والمستحبات مستخفياً بعمله قدر الإمكان، لا يطلب الأجر والثواب ولا الإطراء والثناء إلا من الله -سبحانه وتعالى-، وهكذا كان دَأبُ الصالحين: فقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء عن أبي حاتم الرازي قال: حدثنا عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا سريَّة مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادَفَنَا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى المبارزة، فخرج إليه رجل فطارده ساعة وطعنه فقتله، فازدحم إليه الناس، فنظرت فإذا هو عبد الله بن المبارك، وإذا هو يكتم وجهه بكُمّه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يُشنّع علينا - يعني يفضحنا -.
وهذا كثير جداً في أخبار الصالحين، وقد كان القادة من أهل الإسلام يعتنون بهذا النوع من السلاح أيما عناية.
وحين أبطأ على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فتحُ مصر كتب إلى عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: "أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر! تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله سبحانه لا ينصر قوماً إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل -على ما أعرف-، إلا أن يكون غيَّرهم ما غيَّر غـيْرَهم وهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود بن عمـرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضَّهم على الصبر والنية، وقدِّم أولئك الأربعة في صدور الناس ومُر الناس أن يكون لهم صدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة فإنها ساعة تنـزل فيها الرحمة وقت الإجابة، وليعج الناس إلى الله -سبحانه وتعالى-، وليسألوه النصر على عدوهم".
فلما أتـى عَمْراً الكتابُ جمع الناس وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا، ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله سبحانه ويسألوه النـصر ففتح الله عليهم.
ومن هنا نهمس في أذن كل مسؤول ممن ولاه الله أمراً من أمور المسلمين، وخاصةً قادة الجيوش الإسلامية، فنقول: اعلموا أن أوجب الواجبات عليكم، أن تربُّوا جنودكم على تقوى الله وطاعته، مبتدئين في ذلك بأنفسكم ومن هو دونكم، فإن أنتم فعلتم ذلك نصركم الله على عدوكم، ومكَّن لكم كما نصر أسلافكم ومكَّن لهم، وإن لم تفعلوا كنتم سبب تخلف النصر عن أمة الإسلام، وتمكين الأعداء من أمتكم، وبؤتم بإثم ذلك، ثم يستبدلكم الله بقوم يحبهم ويحبونه، فيجعل الله النصر والتمكين على أيديهم، فكونوا أنتم أولئك يكتب لكم النصـر ﴿واسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [(128) سورة الأعراف].
السلاح الثالث عشر: أسباب السماوات والأرض: ومما ينصر الله به عباده المتقين أن يسخر لهم أسباب السماوات والأرض التي لا يحيط بعلمها إلا هو -سبحانه وتعالى- من: الريح والزلازل والخسف وإمطار الحجارة من السماء والصواعق المحرقة، والأسقام والأوجاع المؤلمة، وتسليط الحشرات وغيرها مما يسلطه -جل وتعالى- على من يشاء من أعداء الملة وخصوم الشريعة.
وهكذا فإن لهذه الأسلحة الخفية أثراً عظيماً في قوة المسلمين وثباتهم وانتصارهم فمتى ما صدقت الأمة ربها ونصرت دينه جاءهم نصر الله ومدده ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [(7) سورة محمد] ومهما بلغت قوة الأعداء فإن الله أقوى منهم ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [(4-6) سورة محمد].
فاصبري أمة الإسلام، واثبتي وأَقبلي على ربك ولا تخشَي ما عند الأعداء من قوة، فإن الباطل مهما انتفش فهو هباء ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [(81) سورة الإسراء] قال الله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [(8) سورة الأنفال]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [(18) سورة الأنفال].
وهذا بالطبع لا يعني الاستغناء عن الأسلحة التي تصنعها الحضارة لقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [(60) سورة الأنفال].
إن كل حرب في التاريخ لها هدف ظاهر أو خفي، حقاً كان أو باطلاً، وبهذا تجري سنة التدافع قدراً وشرعاً حتى تضع الحرب أوزارها، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [(251) سورة البقرة].
وثمة فساد عريض في الأرض اليوم لا مناص من جريان سنن الله القدرية والشرعية لاستنقاذ الإنسانية منه، بدفع أهل الإيمان على أهل الطغيان، وإلاّ فسدت الأرض أكثر وأكثر، ولا إفساد اليوم أكثر من إفساد كفار بني إسرائيل من يهود ونصارى؛ ذلك أن طوائف من النصارى قد لحقت حكماً باليهود في اعتقادهم وإفسادهم منذ زمان، بل كادوا يسبقون اليهود في العلو في الأرض فساداً، أولئك هم طوائف الإنجيليين الصهيونيين النصارى الذين صنعوا على أعينهم الصهيونية اليهودية في القرون المتأخرة.
إن هناك عدداً من الحقائق الماثلة اليوم تستحق النظر والتأمل فيما يحدث من تواطؤ وتطابق بين الطائفتين المتزعمتين للفساد في الأرض عامة، وفي بلاد المسلمين خاصة، من ذلك أن نصارى الغرب هم أسبق من اليهود في اعتناق المذهب الصهيوني في العصر الحديث، هؤلاء النصارى هم الذين أقنعوا اليهود وذكَّروهم ونظَّروا لهم؛ لكي يتجمعوا في فلسطين، وهم الذين خططوا ونفذوا مشروع توطينهم فيها وتكفلوا بحمايتهم ما بقيت دولتهم.
هؤلاء النصارى هم المسؤولون عن إبقاء الأمة الإسلامية في انشغال دائم بما يُدخلونه عليها من فتن وحروب ونزاعات بسبب الحدود المصطنعة والعناصر والزعامات العميلة، وذلك عبر سلسلة طويلة بدأت في العصر الحديث بإسقاط الكيان السياسي العالمي الأخير للمسلمين "الخلافة العثمانية" والحيلولة دون إقامتهم كياناً عالمياً آخر، باستخلافهم بعد الاستعمار لشرائح من المنافقين في أكثر ديار المسلمين لضمان عدم نهوض الأمة بالإسلام مرة أخرى.
لماذا يخاف البعض من اليهود والنصارى؟، وقد أثبتت الأحداث القديمة والجديدة أنهم أضعف مما نتصور، ورغم امتلاكهم للأسلحة المتطورة فإن عنصر الإنسان يبقى له دور مهم، وهؤلاء يعتمدون على التقنية؛ لأنهم لا يملكون الإنسان الجادَّ، وهذا يؤكد لنا مرة أخرى أن المشكلة ليست في صعوبة مواجهة الكيان الصهيوني أو النصراني، بل في النية أصلاً لمواجهته.
إن شبح الحرب في هذه الأيام مقلق للجميع، ولا أحد يدري ماذا في علم الغيب، لكن الله -جل وتعالى- أراد أن يكشف ما كان مستوراً، وهو التعصب النصراني والحقد الصليبي وكره الإسلام والمسلمين الذي كان مغطىً بقشرة رقيقة من الحرية والديمقراطية، فهل من مدّكر؟!.
إن الأمة الإسلامية تعيش هذه الأيام حالة من الاستنفار لم يسبق لها أن عاشتها في أزمنتها الأخيرة، كرد فعل على ما يمارس في حقها تحت شعارات تعددت أسماؤها وتلونت راياتـها، واتحدت أهدافها وغاياتـها، فما كان مخبوءاً انكشف أمره، وما كان تورية انكشف عواره، لقد تقطعت الحجب، وانقشعت السحب التي كانت تلف جميع تلك الشهب ولم تعد الأمور تنطلي حتى على الغافلين والمغفلين من أبناء هذه الأمة الذين تصوروا ردحاً من الزمن أنه من الممكن أن يعيشوا وسط قرية عالمية ملؤها المحبة والإخاء والمودة والعدل والمساواة، والكل سينهل من معين الديموقراطية، ويَغرف من زلال حقوق الإنسان، وينعم بخيرات حرية التجارة العالمية مهما تنوعت ثقافاتـهم وتعددت أعراقهم وألوانـهم، فكل هذه الفقاعات ذهبت وبان كذب مدّعيها.
إن المسلمين أمة مجاهدة، وقد أثبتت تجارب التاريخ البعيد منه والقريب أنهم يهون عليهم كل شيء في سبيل أن يبقى لهم دينهم الذي هو روحهم وعنوان وجودهم، وأنه لا شيء يجمعهم ويحشد طاقاتهم ويستنفر جهودهم مثل التعرض لهذا الحمى المنيع حمى الإسلام، فأين هؤلاء الذين تترنح نفوسهم بنشوة القوة وحب الهيمنة عن هذه الحقيقة البسيطة؟.
إن الغرب اليوم يستهين بالمسلمين استهانة غير مسبوقة، ويستفز مشاعرهم على جميع المستويات الرسمية والشعبية، ويعلن عليهم حرباً سافرة بلا قناع، حيث يستخدم هذا القناع الشفاف الذي يتستر به، قناع "الحرب على الإرهاب" وقد جرَّب غيرها كل أنواع الحروب، سافرة ومقنّعة ضد المسلمين، فلم يحققوا ما أرادوا لجهلهم بالعوامل التي يستمد منها المسلمون ثباتـهم وصبرهم، وبالعناصر التي تؤلف سرَّ قوة الإسلام واستعصائه على المقارنة بالمبادئ الأرضية الأخرى؛ فلسنا كالنازية ولا الشيوعية، نحن عقيدة حية تسكن نفوساً لا يمكن القضاء عليها بالتهديد أو باستخدام العنف، ونحن أمة تجمع شعوباً كثيرة ذات أعراق ولغات مختلفة ولكنها كلها تنطق بـ: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والله أكبر، أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وأكثر جبروتاً من كل جبار متغطرس.
إن المسلم العادي الذي يجد يديه مكبلتين عن الحركة، بينما يجد حواليه الظلم قد تجاوز كل حد، والعدوان قد انطلق لا يردعه شيء، يحز في نفسه أن يصبح هدفاً لكل قوى الشر في هذا العصر، لكنه يطمئن إلى أن الله معه، ولن يتخلى عنه، تحقيقاً لقوله -{#emotions_dlg.azz}-: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [(11) سورة الأنبياء] وقوله سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [(58) سورة القصص].
نسأل الله تعالى أن يتولى الأمة بحفظه وينصرها على أعدائها ويحفظ عليها دينها وأمنها، إنه سميع مجيب..
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً...

 

المصدر : الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ الدكتور ناصر بن محمد الأحمد





مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا