الأخبار | 
الرئيسية مقالات مختارة
عدد القراء 1448

رؤية شرعية في الأخوة الإنسانية

"...والغريب أن هذه المبادئ قد نالت حظاً واسعاً بالانتشار في عقول كثير من المسلمين، وبعض المنتسبين للفكر والعلم! وعقدت الكثير من اللقاءات والندوات الفكرية والحوارية باسمها، لأجل التنظير لها، والمنافحة عنها..." يرى المفكرون أن من أصيب بالانهيار الداخلي، والهزيمة النفسية تجاه من يعاديه فإنه سيحاول جاهداً بقدر المستطاع أن يثبت بأنه محب له ومسالم، فلا بأس أن يهدي له كلمات المحبة والود والإخاء، ولو كان ذلك على حساب عقيدته التي ينتمي إليها ويستظل بظلها.

واليوم ونحن نشاهد أعداء الإسلام وقد كشروا عن أنيابهم، وأبدوا ما كان مخبئاً في صدورهم ومكنون قلوبهم، من عداوتهم للمسلمين، وإرادة الشر والمكر بهم، فلا عجب أن نجد كثيراً من الكبراء أو المنتسبين للعلم والفكر حين يتنازلوا عن أصول الدين، وثوابته العظام، خشية أن يصمهم عدوهم بأنهم (متشددين) أو(أصوليين).

و لا يزال هؤلاء وأمثالهم إلا انبطاحاً للكفار، ويتزايد سقوطهم الفكري شيئاً فشيئاً، لإرضاء شرذمة الكفر، وعصابة الإجرام - وقد لا يشعرون - ويكون حالهم كما قال الشاعر:

  • ألقى الصحيفة كي يخفف رحله
  • والــزاد حتى نعــله ألقــاها

ومع تتابع الحملات الصليبية على الإسلام والمسلمين بعد أعقاب الحدث التاريخي السبتمبري، وتأكيدهم على أهمية حرب ما يسمى (بالإرهاب)، فإنهم أكدوا أن هذه الحملة لن تقتصر على القوة العسكرية فحسب، بل هي حملة واسعة النطاق، عريضة الجبهة، ومن أهدافها محاربة عقيدة الإسلام، وقيمه العظام، ومبادئه السامية. وإن من المبادئ التي يسعى (التحالف الصليبي) لبثها في الأوساط الإسلامية، وخاصة بين النخب العلمية والمثقفة، والذين لهم تأثيرهم على أتباعهم ومريديهم، مبدأ(الإخاء الإنساني) أو (الإنسانية) ومن ثم إلى (الإخاء الديني) و(التلاحم الفكري) محاولين أن يصنعوا لها ألواناً براقة [1]، تخلب الألباب، وتثير المشاعر، فيتلقفها المسلمون، وتسري في عروقهم تلك المبادئ حتى النخاع، وعندئذٍ يتحقق للصليبين ما أرادوا نشره، وتنجح لعبتهم الماكرة لكسب المسلمين بجانب صفهم، وصدق الله حين وصفهم بقوله: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال [2].

والغريب أن هذه المبادئ قد نالت حظاً واسعاً بالانتشار في عقول كثير من المسلمين، وبعض المنتسبين للفكر والعلم! وعقدت الكثير من اللقاءات والندوات الفكرية والحوارية باسمها، لأجل التنظير لها، والمنافحة عنها، حتى ظنت طائفة من المسلمين بأنها مصطلحات (خير وبر) وما دروا أن السم دس في العسل، وصدق من قال:

  • كم حديث يظنه المرء نفعاً
  • وبه لو درى يكون البلاء

فلنكشف الأوراق ولنظهر الحقائق:

المُرَاجِعُ لتلك المبادئ وحين يردها إلى أصلها وجذورها التاريخية، سيجد أن من أوائل من بدأ بالتركيز على إبرازها هي: (الحركة الماسونية) وأذنابها من المستعمرين [3] الحاقدين، أو ممن تلبس بلباس الإسلام من المنهزمين وكان متأثراً ببعض نظم تلك الحركة... و لست مبالغاً فإن هذه المنظمة العالمية قد بنت ركائز فكرها، ودعائم منهجها على ثلاث مبادئ: (الحرية - الإخاء - المساواة) وهم يسعون لنشرها بكل ما أوتوا من قوة مادية أو معنوية، حتى يتلقفها الجهلة، ويكونوا بوقاَ لنشرها والتعريف بها.

وقد ذكر الأستاذ: عبد الله التل في كتابه (جذور البلاء) [4] مترجماً لكلام اليهود في بروتوكولاتهم ما نصه:

"كنا أول من اخترع كلمات الحرية والإخاء والمساواة التي أخذ العلماء يرددونها في كل مكان دون تفكير أو وعي، وهي كلمات جوفاء لم تلحظ الشعوب الجاهلة مدى الاختلاف بل التناقص الذي يشيع في مدلولها، إن شعار الحرية والمساواة والإخاء الذي أطلقناه، قد جلب لنا أعواناً من جميع أنحاء الدنيا" ا. هـ.

وبغض النظر عن صحة البروتوكولات ونسبتها للماسونية اليهودية أو عدمها، فإنهم قطعوا على أنفسهم عهداً بنشرها ليغزوا بها عقول المسلمين. ولهذا فقد أصدر المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي فتوى قيمة، بعد أن اطلعوا على أفكار تلك الحركة الخبيثة، وما يهدفون إليه من نشر الثقافات الكافرة، والكتابات الماكرة، وكان في تلك الفتوى ما نصه:

"أنها - أي الحركة الماسونية - تبني صلة أعضائها بعضهم ببعض في جميع بقاع الأرض على أساس ظاهري للتمويه على المغفلين وهو الإخاء الإنساني المزعوم بين جميع الداخلين في تنظيمها دون تمييز بين مختلف العقائد والنحل والمذاهب" [5] ا. هـ

الشريعة الإسلامية ومصطلح (الإخاء):

قد بينت الشريعة الإسلامية حقيقة وكيفية(الإخاء) كما في الوحيين: (الكتاب والسنة) وهي:

1) أُخوة الدين: فمن كان كافراً فهو أخ للكافر، ومن كان مسلماً فهو أخ للمسلم، ومنه قوله - تعالى -: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [6]، وإنما أداة حصر فقد حصر الله الأخوة بين المؤمنين فقط، ومنه قوله - تعالى -: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [7]، أي في دين الإسلام[8]، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - «المسلم أخو المسلم» [9]، ولذا فإنه لما خاف الخليل إبراهيم - عليه السلام - من بطش الطواغيت بزوجته سارة قال عنها (إنه أختي) أي أخته في الدين الحنيف الذي يجمع بينهما وهو الإسلام.

ولذا فقد بين - {#emotions_dlg.azz} - أن المنافقين ليسوا بمسلمين وأنهم إخوان للكافرين فنزع أخوتهم من المسلمين وقرنهم بالأخوة التي تربط بينهم وبين أسيادهم الكافرين فقال: ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون [10]. قال ابن الجوزي عند قوله - تعالى -: ﴿يقولون لإخوانهم﴾: أي في الدين لأنهم كفار مثلهم وهم اليهود [11].
2) أخوة القرابة والنسب: ومنه قوله - تعالى -: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين فاصل الآيات إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون﴾ [12] وقد نص جمع من المفسرين بأن المقصود بهذه الأخوة في هذا الموضع بأنها أخوة النسب، ومنهم الشوكاني حيث يقول: "أي أخوهم من أبيهم لا أخوهم في الدين" [13]، ومن هذا قوله - تعالى -لموسى: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي﴾ [14]، والمقصود به هارون - عليهما السلام - والذي كان أخاً لموسى من أب وأم.

زوبعة عصرية، وإثارة قضية:

أثار بعض المفكرين العصريين والمناصرين لمبدأ (الإخاء الإنساني) بأن هذا المصطلح قد ذكره بعض المفسرين في كتبهم، وأن له دليل من القرآن، مثل قوله - تعالى -: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هوداً﴾ [15]، قائلين إن القرآن أثبت هذا الإخاء فهو - صلى الله عليه وسلم - لم يكن أخاً لقومه في الدين لكنَّه أخاهم في البشرية والإنسانية، ولهذا لا مانع بأن نطلق على النصارى واليهود بأنهم إخواننا في الإنسانية.

وجواب ذلك: بأنه لاشك أننا جميعاً مسلمين وكفار خلقنا الله - {#emotions_dlg.azz} - من أبينا آدم وأمِّنا حواء - عليهما الصلاة والسلام - فنحن جميعاً نشترك في البنوة لهما وهو - سبحانه وتعالى - ينادينا جميعاً قائلاً: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم وريشاً﴾ [16]، وعليه - راجياً أن يُفْهَمَ ما أعنيه - فلو أطلق البعض هذا المصطلح لأجل تلك البنوة من آدم وحواء - وليس له إلا هذا المراد فقط - لهان الخطب، وأصبح الأمر قابلاً لوجهات النظر، من حيث أصل هذا المصطلح، ولكن...

هل يريد هؤلاء العصرانيون أن يثبتوا هذا المبدأ بهذا التفصيل، أم أن وراء الأكمة ما ورائها، وأن المراد غير ما يظهر، وأن الجوهر بخلاف المظهر؟

قيل في المثل العربي (الحقيقة بنت البحث) ولا شكَّ أنَّ الغوص في معاني الأمور، ومحاولة إدراك حقائقها، من الأهمية بمكان، والحق الذي لا أشك فيه، أن هذا المبدأ لا يقصد جل من يقوله - نسأل الله لنا ولهم الهداية - إلا خلاف الحق، وتفريغ الإسلام من محتواه الاعتقادي، وإبعاد المسلمين عن منهج الله القويم، وصراطه المستقيم [17]، إلى أن ينتقلوا بمن يتأثر بأطروحاتهم تلك إلى إثبات مبدأ (الإخاء الديني) وقد كان... فتختلط الأمور، ويصبح الأمر في حيص بيص، ويطمع الطامعون في إسقاط المسلمين بمزالق عقدية خطيرة تحت مظلة (التقارب الديني) أو (التعايش مع الآخر) أو(نبذ الشك والارتياب بالآخرين) ويصبح من تأثر من المسلمين بتلك الأُطر، ولهذا فهل يليق بنا السكوت والتعامي عن مراد هؤلاء المنحرفين بحجة أن هذا المبدأ في جملته صحيح؟!

أهداف المدرسة العصرانية ومقاصدها في التلويح بهذا المبدأ:

1) تمييع عقيدة البراء من الكفار وبغضهم وعدواتهم، واستبدال ذلك بالدعوة إلى محبَّتهم ومودتهم ومصاحبتهم! إلى غير ذلك من العبارات التي يحاولوا أن يسترضوا بها الكفار، لتربط بينهم وبين المسلمين بوشيحة الإخاء، وحين يقتنع المسلم بهذه الدعوات المنهزمة فإنه سيقل إحساسه بخطر الكفار، وأهمية البراءة منهم، بل سيحصل بينه وبينهم نوع من الانسجام الفكري، والتنازل العقدي، بغية الاجتماع على قواسم مشتركة. وممَّا يجدر التنبُّه له، ووجدته واضحاً من خلال البحث والاستقراء لكتابات أصحاب المدرسة العصرانية، حيث رأيتهم متوافقون في مقاصدهم تجاه (الإخاء الإنساني) وأنَّهم يريدون من وراءه القول بمودة الكفار ومحبتهم والتعايش معهم، ولهم كتابات منتشرة في ذلك لو قلَّبها المتابع لوجدها صريحة بنشر هذا المقصد، فتجد أنَّ بعضهم يقول:

"إنَّ الأخوة الإنسانية العامة التي أوجب الإسلام بها التعارف عندما يختلف الناس أجناساً وقبائل يجب وصلها بالمودة، والعمل على الإصلاح ومنع الفساد ولو اختلف الناس ديناً وأرضاً وجنساً".

بل إنَّ بعضهم يقول:

"... ومع ذلك التاريخ السابق فإننا نحب أن أيدينا وأن نفتح آذاننا وقلوبنا إلى كل دعوة تؤاخي بين الأديان وتقرب بينها، وتنزع من قلوب أتباعها أسباب الشقاق".

والحقيقة أنَّ من تعلَّم العقيدة الربَّانيَّة حتَّى تجذَّرت في أعماق نفسه البشرية، يعلم أنَّ هذا الكلام مغاير لنصوص الكتاب والسنَّة، فأين يوجد في كتاب الله أو في سنَّة رسول الله القول بجواز مودَّة الكافر، وأين يوجد ذلك فيما سطَّره علماؤنا في كتبهم، أو ما طرَّزوه في مسائلهم.

فاللَّه ـ - {#emotions_dlg.azz} - ـ يقول في محكم التنزيل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق﴾ [18]. وهنا نهي صريح عن إلقاء المودة للكافرين، ويقول - تعالى -كذلك: ﴿لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾ [19]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على هذه الآية:

"أخبر الله أنك لا تجد مؤمناً يواد المحادين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان ينافي مودته كما ينفي أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتفى ضده، وهو موالاة أعداء الله" [20] ا. هـ.

ولذلك فإن هذه الآية لم تخص الذين حاربونا فقط من دونهم بل خصت الكفار أجمعين‘ وفي هذا يقول الإمام ابن حجر العسقلاني عن هذه الآية: "البرُّ والصلة والإحسان لا يستلزم التوادد والتحابب المنهي عنه في قوله - تعالى -لا تجد قوماً... فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل" [21].

وقد يقول قائل إنَّ المرحلة تقتضي كهذه العبارات، لتخفيف وطأة الكفَّار على المسلمين؟ ولكنَّنا نقول متسائلين كذلك: هل ورد مثل هذا الكلام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام حين كانوا مستضعفين في مكة، وحين كان الكفار يسومونهم سوء العذاب، رغم توفر الأسباب الداعية لذلك، ومحبة كفار قريش لتلاقي دينهم مع دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يداهنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليداهنوه؟ إنَّ ذلك لم يكن ألبتة، مع أنَّ الكفار كانوا يودون أن يداهنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليداهنوه، فقد قال – تعالى- عنهم: ودوا لو تدهنوا فيدهنون [22].

قال أبو المظفر السمعاني - رحمه الله - "وقوله ودوا لو تدهن فيدهنون أي: تضعف في أمرك فيضعفون، أو تلين لهم فيلينون" [23].

وذكر القرطبي - رحمه الله - على هذه الآية عدداً من الأقوال ثم قال: "قلت: كلها إن شاء الله صحيحة على مقتضى اللغة والمعنى، فإن الدهان: اللين والمصانعة، وقيل: مجاملة العدو وممايلته، وقيل: المقاربة في الكلام والتليين في القول" [24].

ومع هذا كله فقد أبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستمع لكلامهم بل قال بصريح العبارة: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾ [25]، وكان - بأبي هو وأمي - مقتفياً لقوله - تعالى -: ﴿ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ [26].

وأمَّا ما زعمه بعضهم بجواز أن يقول المسلم للنصراني (أخي) واستدلَّ على ذلك بقوله - تعالى -:﴿إنَّما المؤمنون إخوة﴾ ثمَّ ذكر أنَّ النصراني مؤمن من وجه، والمسلم مؤمن بوجه آخر، فلا شكَّ أنَّ هذا خطأ، لأنَّه - سبحانه وتعالى- جلَّى هذه القضية بكل وضوح فقال عن الكفار: وما هم بمؤمنين وقال كذلك عنهم: فإن تابوا وأقاموا الصلاة فإخوانكم في الدين [27].

والذي يفهم من هذه الآية أنَّه لا أخوة سابقة بين دين الكفَّار ودين المسلمين إلا إذا دخلوا في الإسلام فهم إخواننا لهم مالنا وعليهم ما علينا.

ومن جميل ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله - حول هذه الآية: وبهذه الأخوة يهدم كل ما كان بينكم وبينهم من عداوة، وهو نص في أن أخوَّة الدين تثبت بهذين الركنين، ولا تثبت بغيرهما من دونهما [28] بل إنَّه مخالف لقوله - تعالى -: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده﴾ [29]، قال الإمام ابن تيمية: "فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان") [30].

ولله درُّ الشيخ الداعية عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله - حين حذر من هذه الدعاوى المنحرفة، قائلا: "فانظر إلى إبراهيم إمام المسلمين ومن معه من الأنبياء كيف صرَّحوا بعداوة قومهم وبغضهم لأنَّ الله لا يبيح لهم موالاتهم أو مؤاخاتهم باسم القومية لأي هدف كان حتى يتحقق فيهم الإيمان بالله قولاً وعملاً واعتقاداً.

وأوجب الله علينا التأسي بهم، ذلك أنَّ مؤاخاة الكفار بأي شكل من الأشكال، ولأي غرض من الأغراض لا يكون أبداً إلا على حساب العقيدة والأخلاق بل لا يكون إلا بخفض كلمة الله واطِّراح حكمه ونبذ حدوده ورفض وحيه، ومهما ادَّعوا من الأخوة الإنسانية والعمل لصالح الوطن ومقاومة أعدائه ونحو ذلك من التسهيلات المفرضة، فإنَّ المصير المحتوم للمسلمين هو ما ذكرناه من تجميد رسالة الله وإقامة حكم مناقض لإعلاء كلمته والجهاد الصحيح في سبيله وتحكيم شريعته. وما قيمة الإسلام إذا لم يكن هو الحاكم ظاهراً والمهيمن باطناً" [31].

والعجب أنَّه مع هذا التنازل من بعض المنتسبين للعلم - هداني الله وإياهم - وإطلاقهم لهذه الألفاظ على الكفَّار؛ لم تلق أذناً صاغية منهم، ولا يزال هؤلاء العصريون يميعون قضايا الدين، لإرضاء شرذمة الكفر، ويبقى الكفار يزدادون قتلاً وسفكاً واتهاماً للمسلمين بالتشدد تارة، والتنطع تارة أخرى، والإرهاب تارة أخرى، وصدق الله: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم [32].

ومن المهم حينها أن نعلم بأنَّ الكفار لا يريدون من المسلمين إلا الانسلاخ عن الدين، والكفر برب العالمين، ولن يكسب المسلمون من هذا كله دنيا هنية، ولا ديناً قوياً وأخشى أن نكون كما قيل:

  • نرقع دنيانا بتمزيق ديننا
  • فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع.

2) ومما يهدف إليه العصريون من هذا المبدأ: مسخ تميز المسلم عن الكافر بعباداته وعاداته، وظاهره وباطنه، و "إزالة استعلاءه بإيمانه، الناشئ من إحساسه بالتميز عن الجاهلية المحيطة به في كل الأرض.. لكي تنبهم شخصيته وتتميع" [33]. ولا شك أن هذا مفرح للكفار، لأنهم يسعون إلى تذويب المسلم ظاهراً وباطناً في مجتمعاتهم الآسنة، بل حتى لو كان في بلاده فلا يشعر بفوارق بينه وبين غيره من الكفار.

يقول المستشرق النمساوي المعاصر (فون جرونيباوم - Von Grunebaum) في كتاب له يسمى: (الإسلام الحديث - Modern Islam): "إن الحاجز الذي يحجز المسلم عن (التغريب - Westernization) هو استعلاؤه بإيمانه، وإنه لا بد من تحطيم ذلك الحاجز لكي تتم عملية التغريب" [34].

وجاء في المادة السادسة من الميثاق الإذاعي للدول العربية ما نصه: "(الانفتاح على الحضارة الإنسانية أخذاً وعطاءً وتعميق روح الأخوة الإنسانية والتأكيد على أن الأمة العربية تمد يدها لكل شعوب الأرض دون ما نظر إلى اختلاف الدين أو العقيدة أو أسلوب الحياة للتعاون على توفير أسباب الحرية والتقدم والسلام القائم على العدل وذلك انطلاقاً من جوهر القيم العربية واستهداءً بميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان" [35].
ويبين من هذا أن هذه الكلمة خطة ماسونية غربية تلقفها العصريون ونشروها بين المسلمين بدلاً عنهم، ولا ريب أن هذا متابعة لهم في ما يهوونه، وهو ما نهى الله عنه وحذر منه فقال لمحمد - صلى الله عليه وسلم -: «ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك» [36]، وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ [37].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه -: "ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويُسرون به، ويودون أن لو بذلوا عظيماً ليحصل ذلك - ثمَّ قال - ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه" [38].

3) ومما يهدفون إليه عدم التفكير بجهاد الكفار، وإماتة الروح الجهادية في قلوب المسلمين، بحجة أنهم إخوان لنا في الإنسانية فلا بد أن تحترم كرامتهم وإنسانيتهم وأن نكون متسامحين معهم وهذا في جهاد الطلب، بل أنكر آخرون جهاد الدفع ولو قتل المسلم على أيدي الكفار، وذك لـ"يكون المسلم شهيد السلام والتآخي والتسامح أو أنه (شهيد الفكرة المتراحمة) وهذا الكلام لم ألقه جزافاً وممن نص عليه الطبيب الدكتور: خالص جلبي، في كتابه: (سيكلوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي) [39] مقرراً لهذا القول العجيب، بهذه القزمة الفكرية، التي لم تكن حتى عند الجاهليين العرب، وحقاً هو التضليل الفكري، والصوت النشاز في العالم الإسلامي - نسأل الله العافية والسلامة - وعش رجباً ترى عجباً:

  • الله أخر موتتي فتأخرت
  • حتى رأيت من الزمان عجائباً

إنها ثقافة الانهزام التي تسري في عروق هؤلاء العصريين باسم ثقافة الإخاء والسلام.

4) ومما يهدف إليه العصريون بهذا المصطلح (إلغاء المناداة بالرابطة الإسلامية أو تحييدها واستبدالها بالرابطة الأخوية الإنسانية، إلى الوحدة الأخوية الدينية) [40]، ولذا فهم يدندنون كثيراً على هذه المصطلحات، ولا ريب أن هذا باطل وزور من القول، فنحن وإن كنا أبناء لآدم وحواء، فإن هذا لا ينفعنا عند الله، والذي ينفعنا هو الدخول في دين الإسلام وعقد الأخوة المسلمين، وقد امتن الله علينا بهذه الأخوة فقال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ [41]، وبعدئذ يتوحد الحب لدى المسلم فلا يحب إلا أخيه المسلم ولا يرتبط إلا به، ولا يصاحب إلاَّ إياه.

وما أروع ما قاله الأستاذ: سيد قطب - رحمه الله -:

"إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان، إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل، وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل... في كل زمان وفي كل مكان... وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله، وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن، و القرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ، ترتفع فتصبح قيمة واحدة... هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع، ويقوم بها الجميع" [42]

ولو دقق في نداء نوح لربه - {#emotions_dlg.azz} - قائلاً: رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين [43]، فقد رد الله - {#emotions_dlg.azz} - عليه قاطعاً ما بينه وبين ابنه من أواصر القرابة، قائلاً: يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح [44]، وذلك أن نوحاً كان ابنه كافراً، ففصم الله العلاقة بينه وبين أبيه، حتى يتميز حزب الرحمن من حزب الشيطان، ويعلم أن آصرة التجمع هي على عقيدة الإسلام، وأن رابطة الولاء لا تكون ولا تنبغي أن تكون إلا لمن اتبع هذا الدين، وقام به خير قيام. نعم إن الإنسان مخلوق كريم، كما قال - تعالى -: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ [35]، وقال: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [46]، لكنه لما حاد عن منهج الله، قال - تعالى -عنه: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [47]، ولم يستثن إلا من ثبت على شريعة الإسلام، فقال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [48]‘ فمن اتبع غير شريعة الله فليس ذا كرامة، كما قال - تعالى -: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [49]، بل سمى الله المشرك نجساً، فقال: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [50].

فمن جعل من المسلمين شعار (الإخاء الإنساني) هو الشعار المرفرف، موالياً من والاه، ومعادياً من عاداه، فإنه قد ارتكب جرماً كبيراً في حق ربه - {#emotions_dlg.azz} - وتنكر لأمته وهويته، و جزى الله الشيخ: جاد الحق علي جاد الحق خيراً - شيخ الأزهر سابقاً - رحمه الله - حين قال: "إن البحث عن هوية أخرى للأمة الإسلامية خيانة كبرى، وجناية عظمى، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من غير منار الأرض) [51]، فكيف بمن يغير هوية أمة، ويضلها عن طريق النجاة؟ " [52] ا. هـ.

فمن فعل ذلك فإنه قد شابه الجاهلية، والتي تحب أن تنتسب للروابط القومية أو الإقليمية، لذا فقد أزال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الرؤى الجاهلية والتي كانت عند الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - أجمعين - فقال يخاطبهم (إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَة الجاهلية، وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن) [53].

قال شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله - معلقاً على هذا الحديث: "فأضاف العُبية والفخر إلى الجاهلية، يذمها بذلك، وذلك يقتضي ذمها بكونها مضافة إلى الجاهلية، وذلك يقتضي ذم الأمور المضافة إلى الجاهلية" [54].

وقال في موضع آخر: "وذلك أن الانتساب إلى الاسم الشرعي، أحسن من الانتساب إلى غيره، ألا ترى إلى ما رواه أبو داود من حديث... أبي عقبة - وكان مولى من أهل فارس - قال: «شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحداً، فضربت رجلاً من المشركين ‘ فقلت: خذها وأنا الغلام الفارسي، فالتفت إلي فقال: هلا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري؟» [55].

قال العلامة القاري - رحمه الله -: "وكانت فارس في ذلك الزمان كفاراً، فكره - صلى الله عليه وسلم - الانتساب إليهم وأمره بالانتساب إلى الأنصار ليكون منتسباً إلى أهل الإسلام" [56].

وقال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: "ولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية، لا بروابط عصبية، ولا بأواصر نسبية" [57].

تساؤل... وجوابه:

إذا اتفق على مراد هؤلاء العصريون في مبدأهم (الإخاء الإنساني) فقد يتساءل البعض: لِم يستخدم هؤلاء هذه الفكرة محاولين أن يقنعوا الناس بها؟

والجواب: يحسن التنبيه بأنَّه قد تكون منهم فئة وقعت شبهة في عقولهم، أو لم يدركوا أبعاد هذه الفكرة فأطلقوها بحسن ظن ونية منهم - فربنا يغفر لهم - إلا أن الغالب على أكثرهم أنهم يلبسون الحق بالباطل، ويتاجروا بهذه الكلمة ليروجوا باطلهم على أذهان الناس باعتبار أنها في أصلها صحيح، ولبس الحق بالباطل (قاسم مشترك) بين أهل الأهواء والبدع ليروجوا باطلهم باسم الحق.

قال ابن القيم - رحمه الله - وقد كان يتحدث عن أصحاب الحيل الباطلة: "وأخرج أرباب البدع جميعهم بدعهم في قوالب متنوعة، بحسب تلك البدع... فكل صاحب باطل لا يتمكن من ترويج باطله إلا بإخراجه في قالب حق" [58].

وكذلك فإن مصطلح (الإخاء الإنساني) مصطلح مجمل يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً، والعصرانيون يشتركون مع أهل البدع بأخذهم بالألفاظ المجملة والعمومية التي تسبب كثيراً من الإشكالات، ليخلقوا الغبش والضبابية حول مفاهيمهم، فهم لا يحبون التفصيل بل من طبعهم الإجمال في العبارات والنصوص لتبدوا رجراجة غامضة، ولذا يوصي ابن القيم في نونيته بالابتعاد عن مثل هذا النسق، والذي مشى عليه كثير من أهل البدع، قائلاً:

 

  • فعليك بالتفصيل والتبيين فا
  • لإطلاق والإجمال دون بيان
  • قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا
  • الأذهان والآراء كل زمان

 

ولينظر إلى الخوارج كيف أنهم تمسكوا بظاهر آية مجملة وهي في قوله - تعالى -: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [59]، فكفروا طائفة من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم من شهد له بالجنة كعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأرضاه - بسبب أنهم أخذوا هذه الآية بمجملها و بنوا عليها باطلهم.

ولهذا فإن أفضل حل مع هذه الطوائف أن يستفصل عن مرادهم بهذه الألفاظ المجملة كلفظ (الحرية) و(التجديد) وغيرها من الألفاظ والتي منها (الأخوة الإنسانية) فإن أطلقت هذه المصطلحات فليسأل صاحبها ماذا تريد بهذا المصطلح؟

قال ابن تيمية: "وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال، والقيل والقال، وقد قيل (أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء) [60].

هذا مع أن الأفضل في اعتقادي - والله أعلم - في مصطلح (الأخوة الإنسانية) تجنبه مطلقاً، وعدم النطق به، ولو لم يكن من ذلك إلا عدم الوقوع في مشابهة الكفار من الأنظمة الماسونية وغيرها لكفى، وهذا من أعظم مقاصد القرآن فإنه يحث على تجنب مشابهة الكفار حتى في ألفاظهم والنهي عن النطق بها، ولو كان ظاهرها صواباً، لأن أهل الكفر والفساد يقصدون منها معان باطلة، وتأويلات مغايرة لحقائق الوحيين، فلفظة (راعنا) عند اليهود كانوا يقولونها استهزاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويريدون منها معنىً قبيحاً، فنهى الله المؤمنين عن قولها والتلفظ بها لئلا يتشبه المسلمون بالكفار، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ [61]، قال قتادة وغيره: "كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم" [62].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - معلقاً -: "فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهي المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم" [63].

وفي ختام المقال:

فإني أوصي من كان على هذا المنهج العصراني أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يستشعروا (أمانة الكلمة) وأن العبد ﴿ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [64] وليت هؤلاء العصريون وكما أنهم يحاولون استرضاء الكفار بالربط بينهم وبين المسلمين بحلقة التآخي؛ ليتهم يوجهوا أنظارهم إلى إخوانهم المسلمين، ويحلوا مشكلات التفرق والخصومة بينهم بمنهج السلف الصالح، ويوثقوا بينهم وشيجة الإخاء، وآصرة الولاء، ورابطة التجمع على: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

إلاَّ أن العكس هو الواقع فالمتابع لحركة أصحاب المدرسة العصرية في التأليف والندوات التي يقيمونها يلحظ أن أكثر سهامهم موجهة تجاه المنهج السلفي، ولمزه تارة بـ(التنطع) و (التشدد) أو أن أصحابه(جامدون – نصوصيون- حرفيون - كهفيون... ) [65] إلى غير ذلك من الألفاظ، وبالمقابل يسعون لإرضاء الكفار ومداهنتهم والتقارب معهم، مع أن الكفار لم يأبهوا بكلامهم ولا رضوا عن فعالهم، ويصدق فيهم قول الشاعر:

  • باء بالسخطتين فلا عشيرته رضيت
  • عنه ولا أرضى عنه العدا

فمن يقارن حال هؤلاء العصريين مع الكفار ومع من تمسك بالسنة الغراء، فسيجد ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين. وقد أحسن الدكتور: عدنان النحوي، حين صوَّر حال هؤلاء قائلاً: "وأصبح من المسلمين من يأنس للتحالف مع أعداء الله، ويأنف من التعاون مع المسلم، ودوى شعار (تقارب الأديان) وغاب شعار (المسلم أخو المسلم)" [66].

ولا يعني ذلك أن لا يدعو المسلم الكفار لدين الله - {#emotions_dlg.azz} - وتحبيبهم إليه، وتبليغهم رسالة الله، ومحبة الخير لهم، والعدل معهم، وعدم ظلمهم، وهذا مع الكفار المحاربين، فما البال بغير المحارب منهم فإن الله أمرنا بالبر معهم والإقساط إليهم، وإعطائهم حقوقهم، وعدم الغدر بهم، بقوله - تعالى -: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين [67].

ذلك هو منهج الإسلام في معاملة الكفار، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا إرخاء، فهو دين وسط، كما أننا أمة الوسط، ونعامل جميع الخلق - مسلمهم وكافرهم - بهذه الوسطية الحقة التي أمرنا الله - {#emotions_dlg.azz} - بها قائلاً: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾[68].

وإنَّ أعظم ما يمزق الصف الإسلامي من داخله، ويشرخ في وحدته، حين يتكلم من رأى أمة الإسلام في ركب المتخلفين، وذيل الأمم، فأصبح يلفق بين الإسلام وبين ما يسمى بـ(الحضارة الغربية) ويقدم للعالم أجمع إسلاماً (مقصَّصَاً) قد تخلى بنزعة غربية، ولهجة استرضائية للغرب الكافر، بسبب ضغط الواقع، معبرين عنه بالإسلام المستنير!! تلك ثقافة الضرار، ومنهجية التلبيس التي صيرت عالمنا الإسلامي المتزلف الأول للكفار، والتي أرى أن يجند دعاة الإسلام وعلمائه للرد عليها، وكشف شبهها، علَّ الله أن يهدي أصحابها ومن تأثر بفكرهم ويردهم إلى سواء السبيل.

ورحم الله علماءنا حين قالوا: (رحم الله امرءاً عرف زمانه فاستقامت طريقته).

فهل من مستمسك بالإسلام والسنة في القرن الخامس عشر، مفارقاً كل شر وبدعة؟!

أسأله - تعالى -أن نكون منهم.
ـــــــــــــــــــــ

1) وقد وصف العلامة الراحل - محمود شاكر - رحمه الله - هذه المصطلحات بأنها (ألفاظ لها رنين وفتنة، ولكنها مليئة بكل وهم وإيهام، وزهو فارغ مميت فاتك، توغل بنا في طريق المهالك، وتستنزل العقل حتى يرتطم في ردغة الخبال) انظر كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، صفحة (82).

2) سورة إبراهيم آية (52).

3) بل هم المستخربين، فلم يدخلوا بلدة أو قطراً مسلماً إلا وخربوه دينياً وحضارياً فحاشاهم الاستعمار. 4) جذور البلاء، للأستاذ عبد الله التل، صفحة (265- 274)، المكتب الإسلامي.

5) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة - إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي (1 / 518).

6) سورة الحجرات آية (1).

7) سورة التوبة (11).

8) فتح القدير للشوكاني(2/222).

9) رواه البخاري، في كتاب المظالم (4) باب (3)، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب (45) باب تحريم الظلم حديث رقم (258) كلاهما من حديث ابن عمر —رضي الله عنهما.

1) سورة الحشر، آية (11).

11) زاد المسير، لابن الجوزي (8/ 217).

12) سورة الشعراء، آية (15 —).

13) فتح القدير (3/ 27).

14) سورة طه، آية (42).

15) سورة الأعراف، آية (65).

16) سورة الأعراف، آية (26).

17) قال ابن رجب (ومن أعظم خصال النفاق العملي أن يعمل الإنسان عملاً ويظهر أنه قصد به الخير، وإنما عمله ليتوصل به إلى غرض سيء، فيتم له ذلك، ويتوصل بهذه الخديعة إلى غرضه، ويفرح بمكره وخداعه) وصدق - رحمه الله - جامع العلوم والحكم/صـ378.

18) سورة الممتحنة (1).

19) سورة المجادلة (22)

2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/17).

21) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (5/233).

22) سورة القلم، آية (9).

23) تفسير السمعاني (6/2).

24) تفسير القرطبي (18 / 23).

25) سورة الكافرون، آية (6).

26) سورة المائدة، آية (49).

27) سورة التوبة، آية (12).

28) تفسير المنار، لرشيد رضا (1/187).

29) سورة الممتحنة، آية (1).

3) مجموع الفتاوى (28/228).

31) مقطع من خاتمة للشيخ الدوسري على كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد للإمام: محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ضمن كتاب عقيدة الموحدين والرد على الضلال والمبتدعين للشيخ / عبد الله العبدلي الغامدي - رحمه الله - صـ11).

32) سورة البقرة، آية (12).

33) مقطع من كلام الأستاذ و المفكر الإسلامي: محمد قطب - حفظه الله - من كتابه (مذاهب فكرية معاصرة) صفحة (593).

34) مذاهب فكرية معاصرة، صفحة (593).

35) المنظمات العربية المتخصصة في نطاق جامعة الدول العربية لغسان يوسف، صفحة 43 — 431)، بواسطة كتاب الشيخ: علي العلياني - حفظه الله - (أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية)، صفحة (43 — 431).

36) سورة المائدة، آية (49).

37) سورة البقرة، آية (12).

38) اقتضاء الصراط المستقيم (1/98-99).

39) سيكلوجية العنف، صفحة(52).

4) أنشد بعض المنتسبين إلى الإسلام في إحدى المؤتمرات: الشيخ والقسيس قسيسان *** وإن تشأ فقل هما شيخان!!

41) سورة آل عمران، آية (13).

42) في ظلال القرآن (5/267).

43) سورة هود، آية(47).

44) سورة هود، آية (48).

45) سورة التين، آية (4).

46) سورة الإسراء، آية(7).

47) سورة التين، آية (5).

48) سورة التين، آية (6).

49) سورة الحج، آية (18).

5) سورة التوبة، آية (28).

51) رواه مسلم في كتاب الأضاحي، حديث رقم (1978).

52) من كتاب: هويتنا أو الهاوية، للشيخ: محمد المقدم — - حفظه الله - — صفحة (51).

53) رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب التفاخر بالأنساب (5/339- 34) برقم(51)، ورواه الترمذي برقم (3955) وقال حسن غريب، وصححه ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (1/247).

54) اقتضاء الصراط المستقيم (1/247)، والجعل والجعلان: هي الخنافس التي تأكل الغائط وتخزنه.

55) رواه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في العصبية (5/343) برقم (5123).

56) عون المعبود: لشمس الحق آبادي ن مجلد (7) جزء(14) صفحة(21).

57) أضواء البيان، للشنقيطي: (2/29).

58) إغاثة اللهفان، لابن القيم (1/11).

59) سورة المائدة، آية (44).

6) منهاج السنة النبوية، لابن تيمية (2/217).

61) سورة البقرة، آية(14).

62) تفسير الطبري (1/374).

63) اقتضاء الصراط المستقيم، لابن تيمية (1/175).

64) سورة ق، آية (18).

65) من سمات أصحاب التوجُّهات العصرانية: احتقار المتَّبعين للمنهج السلفي(منهج أهل السنَّة والجماعة)، والنظر إليهم نظرة دونية، ولمزهم بالسطحية والجمود والتطرف، وأمَّا هم ـ العصريين ـ فهم أهل حضارة وفكر راقي، ومنفتحون ومستنيرون إلى غيرها من الألفاظ البرَّاقة التي يخدعون بها النَّاس، ومن خير ما قرأته ووجدته منطبقاً عليهم مقاساً بمقاس، ما ذكره الشيخ المحدِّث / أحمد شاكر ـ تغمده الله برحمته ـ عن هؤلاء الذين يدَّعون الموضوعيَّة في الكلام والنظرة المنصفة لآثار الكفَّار وتقاليدهم، حيث قال: (أو من رجلٍ ممَّن ابتليت بهم الأمَّة المصرية في هذا العصر ممن يسميهم أخونا النابغة الأديب الكبير(كامل كيلاني) المجدِّدينات هكذا ـ واللَّه ـ سمَّاهم هذا الاسم العجيب، وحين سأله سائل عن معنى هذه التسمية أجاب بجواب أعجب وأبدع: (هذا جمع مخنث سالم) فأقسم له سائله أنَّ اللغة العربية في أشدِّ الحاجة إلى هذا الجمع في هذا الزمن!!) انظر/ جامع الترمذي(1/71ـ72)بتحقيق: الشيخ أحمد شاكر.

66) الانحراف، للدكتور: عدنان النحوي، صـ (51).

67) سورة الممتحنة، آية (8).

68) سورة البقرة، آية (143).

 المصدر: موقع المختار الإسلامي.





مرئيات مختارة


استطلاع رأي

    في اعتقادك، ما سبب دعم بعض التيارات الإسلامية المحسوبة على السلفية لأنظمة علمانية وانقلابات عسكرية كالحال في مصر وليبيا نموذجا